المعرفة والنخبة والطائرة العنصرية البغيضة
صادفت في قلبي هوى تلك الدعوة التي تلقيتها من وزير الثقافة الأشهر في تاريخ موريتانيا الدكتور الحسين ولد مدو للمشاركة في مهرجان مدن التراث في ” وادان ” ، وهي المدينة التي كان لها فضل العلم في صحراء مترامية الأطراف وأسهمت مع ” تيشيت ” و ” ولاته ” وشنقيط ” وفي هذه الصحراء وهذي المدن بعض قلبي ومساحة شاسعة من عقلي لعلمائها وفقهائها الفضل في جانب كبير من تكويني العلمي ، ولي فيها مدد الفقه والعلم والبركات من فقهاؤها وأولياء الله فيها ، منهم الحسن بن آغبدي الزيدي الداودي، ومحمد وأحمد ابني فاضل الشريف، والشريف حمى الله التيشيتي من وسيدي أحمد البكاي الكنتي في ولاته ومقامات الأولياء الصالحين والعلماء الأخيار مثل الطالب أحمد بن اطوير الجنة ( أخذت من شباك مقامه بعض الحصى للتبرك كما أخذت حجرا من مقام سيدي الشيخ الحضرمي في آزوكي )والمصطفي و الأربعين عالما الذين سكنوا شارعا واحدا في وادان ، ولهذه المدن فضل كبير على انتشار الإسلام وتجذيره وتجدد الفقه في هذه الصحراء التي أصبحت بفضل حركة العلم والفقه فيها ، أن تكون البادية العالمة الوحيدة في العالم ، ( وهذا التعبير لأستاذي العالم الجليل الدكتور محمد ولد البرناوي شفاه الله وعافاه) و بقدر ما كانت هذه الرحلة أشد رحلاتي إلى موريتانيا ألما و ارهاقا وتعبا ، كانت أكثر أهمية لي علميا ، حيث وفر لي هذا المهرجان الثقافي الهام والمتميز ( مهرجان مدائن التراث ) لقاء عدد كبير من أساتذتي الباحثين العظماء من صفوة النخبة العلمية الموريتانية في مكان واحد وعلى رأسهم المفكر والكاتب الروائي والباحث الكبير الدكتورمحمد ولد احظانا و أستاذي معالي الوزير العالم الجليل الدكتور عبد الودود عبد الله ( ددود) الذي تعلمت من كتبه قبل أن يحالفني الحظ بمشاركته على منصات البحث والإلقاء، أما أخي الحبيب الباحث الفقيه ( قريبي في الإنتماء القبلي ) الدكتور عبد الملك ان حني ، فقد أعدت اكتشافه باحثا عميقا وأكاديميا رفيع المستوى ببحثه المميز في وادان ” ضوابط الفتوى في وادان و ولاته .. أوجه التنوع والتكامل ” الذي ألقاه في المكونة العلمية الرئيسية في المهرجان، والدكتور محمد المختار سيدي محمد الهادي رئيس هيئة الوثائق الوطنية الذي طمأننا على عمليات التوثيق والأرشفة لكنوز معرفية جديرة بالصون والإهتمام ، والبديعة المتقنة الدكتورة تربه عمار التي شاركتنا الجلسة العلمية الأولى ببحث قيم وهام بعنوان:” الصلات العلمية بين حواضر الغرب الإسلامي خلال عصري: الوسيط والحديث، قراءة في دور حواضر شنقيط في تعزيز المشترك المذهبي ” ، واكتشفت من جديد أستاذا كبيرا في العلم والبحث وهو الأستاذ محمد الأمين بلعمش الذي استمعت واستمتعت جدا ببحثه القيم الذي ألقاه في نفس المكونة العلمية ، وللحقيقة فإن فيض العلم الموريتاني أسكرني بنشوة المعرفة والتلقي المعرفي و ولكني فقدت الكثير بعدم مقابلة أستاذي الكبير يحيى ولد البراء وإن عوضني التعرف عن قرب على أستاذي الباحث المبدع الدكتور أحمد مولود أيده الهلال الذي تعلمت من كتاباته وأستفدت منها أيما أستفادة ، خصوصا كتابه العميق ” مدن موريتانيا العتيقة ” الذي رصد فيه التاريخ الأركولوجي والفقهي لمدن العلم ( ولاته وشنقيط وودان وتيشيت ) ، وفي وادان ارتوى القلب وإن لم يشبع العقل من نفحات العلم والفقه ، وكانت ليالي المهرجان كلها ألق وإبهار فقدت فيها لقاء الوزير الجليل حسين مدو لإنشغاله بكل تفاصيل المهرجان ليل نهار حتى كان تم في أبهى صورة عرفتها نسخه السابقة ، وفقدت جلسات الأحبة المبدع الكبير أحمد حافظ وحيي معاوية ومحمد ناجي والمبدع المجتهد الحضرمي أحمدو لإنشغالهم الدائم بأعمال المهرجان والمبدع محمد ناجي والزميل المختار محمد يحيى اللذان عرفاني على سير داما الإعلامي الشاب المتميز الناجح ، وإن عوضني أحمد حافظ قبيل مغادرتي نواكشوط بسهرة ندية أمتعنا فيها أمير الشعراء سعادة السفير محمد ولد الطالب ببعض قصائده ونوادره المبهجة و في نواكشوط قبل السفر ختمت لقاءاتي بسهرة ماتعة شاركني فيها ( ابن خالتي ) رجل الأعمال المثقف مولاي أحمد المهدي بلقاء المثقف الكبير والسياسي المستنير والمحامي الشهير محمد الأمين ( لمين ) الوزير والدبلوماسي السابق، والذي يتميز بدقة الرأي رجاحة التفسير ومنطقية الرؤية ، هو ممن استفدت منهم كثيرا على المستوي المعرفي والسياسي والإنساني – لولا بعض أراؤه الحاده – التي أختلف معها ولكني أجلها وأجله ، فضلا عن أحبة لي من أساتذتي وزملائي الصحفيين وهو ما سأكتب عنه تباعا من أول رحلة الشقاء على الطائرتين البائستين ( التونسية والموريتانية حتى العودة على الطائرة التركية شديدة العنصرية ومطار الترانزيت الكاره للعرب والعروبة (مطار اسطمبول ) الذي صادفت فيه أسوأ وأخس معاملة للعرب في كل مطارات العالم .
