عانيت في الرحلة الأخيرة إلى موريتانيا مشقات السفر وطول ساعات الترانزيت وعذابات الجسد للوصول إلى “وادان ” مدينة العلم وموطن الأولياء و نور الفقه في الصحراء والعودة إلى نواكشوط ، إلا أن ارتواء الروح بنسمات العلم وتجليات الفقه و تدفقات محبة أهل التصوف الحقيقي أنساني عذابات السفر ومشقات التنقل ، بدأتها بلقاء الولي الأجل سيدي الشيخ علي الرضا بن محمد ناجي الصعيدي والأشراف الصعايدة الشيخ أحمدو ولد عابدين وسيد محمد و الشيخ الحسن الصعيدي والشيخ ابن حنا بن عابدين حاملا لهم رسائل أبناء عمومتهم من أشراف قنا والفيوم بمصر وختمتها بلقاء سيدي الشيخ محمد الحسن الددو عالم الشيوخ وشيخ علماء شمال وغرب أفريقيا وأحد أبرز فقهاء العصر على امتداد العالم الإسلامي كله ، جلسنا بضع ساعة كان فيها الشيخ الددو سيالا في علمه ، معطاء في مودته ومحبته لمصر وأزهرها الشريف ذاكرًا تأثيرات علمائه على الحركة العلمية في موريتانيا و فيوضهم الفقهية بداية من خليل بن اسحق الجندي صاحب “مختصر خليل” على موطأ مالك ، و الشيخ خالد الأزهري و الشيخ المرتضى الزبيدي حتى سيدنا الشيخ محمد أبو زهرة ، و فاجأني أن شقيق فضيلته الأصغر اسمه شلتوت كما أسماه الوالد الكريم تيمنا وتبركا واقتداء بسيدنا الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الراحل محمود شلتوت (1958 – 1963م) ، و أسعدني طلب فضيلته نسخة من رسالتي ( التي نلت عنها درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى ) عن الحركة الفكرية في موريتانيا منتصف القرن التاسع عشر ، و ذكر فضيلة الشيخ الددو دور المركز الثقافي المصري في نواكشوط كمنارة للعلم والثقافة منذ افتتاحه في الستينات ، وكيف أسهم في تشكيل الوجدان الثقافي في موريتانيا وأعرب عن أسفه لتوقف نشاطه ، فأخبرته عن وجود سفير عظيم لمصر الآن في نواكشوط (الدكتور أحمد طايع ) و اهتمامه بالمركز ونشاطه ودأبه في العمل على تجديده وإعادته إلى نشاطه العلمي والثقافي و سيتم افتتاحه بعد شهور إن شاء الله وهو أمر يحظى باهتمام شخصي من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيد وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي ضمن اهتمامهما بدعم موريتانيا و الحرص على استقرارها و تقدمها وازدهارها محبة فيها وفي شعبها .
وبين هذين اللقاءين ( الددو والصعيدى ) كانت لي لقاءات مثمرة .. وإن كانت موريتانيا قد عرفت حديثا بأنها بلد المليون شاعر فذلك فيه بعض الحقيقة ، لأن الشعر لم يكن سوى أداة للتعليم والحفظ ووعاء المتون لعدم توفر أدوات الكتابة ، والصحيح أنها بلد المليون فقيه ، و هؤلاء الفقهاء وتراثهم تجده خلف أبواب عديدة لا تحصى في موريتانيا ، تزدهر فيها مجالس العلم والفقه ، وقد أنعم الله علي بتلقي دعوات كريمة من أبناء وحفدة شيوخ وفقهاء عظماء ممن كان لهم الدور الأكبر في نشر الإسلام بين القبائل الأفريقية و تجديد الفقه الإسلامي ، ومنها دعوة كريمة لزيارة الزاوية القادرية الكنتية في نواكشوط ، التي تُعد مركزا علميا وروحيا هاما في موريتانيا و منارة للتصوف والمعرفة ، و تُقام فيها الأنشطة المتعلقة بالذكر وتجديد العهود الصوفية ، و تشكل جسرًا بين البحث الأكاديمي المعاصر والمؤسسات العلمية التقليدية، وتلعب دورًا هاما في توثيق التراث الصوفي و المخطوطات ونشر علوم سيدي المختار الكنتي – منارة الفقه في الصحراء ورائد التجديد وصاحب التجليات والكرامات – فاستجبت ملبيا لأحظي ببركات شيخنا سيدي أعمر ولد سيدي محمد الخليفة الكنتي الذي أفاض ببركاته على الجلسة منوها بما لمصر وأزهرها الشريف من مكانة خاصة لدى سيدي المختار الكنتي وأحفاده ومريديه ، وأحاطني فضلاء الزاوية بكريم الاهتمام وخالص الدعوات، لم ينقصنا سوى وجود أستاذنا الدكتور سيدي أعمر شيخنا الذي منعه ظرف طارئ عن الجلسة .
ثم كانت الندوة التي عقدها لي المهندس محمد أبات في دار” منسقية الشيخ محمد المامي ” للقاء أبنائه ومريديه والباحثين في تراثه الفقهي وفكره السياسي والديني و يعد كتاب سيدي الشيخ محمد المامي ” البادية ” واحدا من أهم كتب التجديد الديني والسياسي في تاريخ الإسلام في الصحراء الكبرى بدعوتيه إلى “فتح باب الاجتهاد وشرعنة عادات وأعراف أهل الصحراء” ، و”نصب الإمام ” ( إيجاد حاكم أو ملك لمعالجة أزمة انعدام الأمن آنذاك – القرن التاسع عشر – في الصحراء للدرجة التي دفعت الفقهاء إلى إسقاط فريضة الحج ) ، وهو ما تناولته في رسالتي لنيل درجة الدكتوراه، فقدّمت أمام نخبة من أساتذتي وزملائي الباحثين ،عرضًا تناولت فيه دوافع اختياري للموضوع، ومسار سيدي الشيخ المامي العلمي والدعوي، وإسهاماته الفكرية في سياق تاريخي اتسم بتعقد الواقع الاجتماعي وغياب البنى التنظيمية، و وضعه لتصور مبكر لمشروع الدولة ، و أثره العميق في محيطه الاجتماعي ، ودعوت لأستاذي الكتور محمد ولد البرناوي الذي كان أول من دلّني ووجهني للموضوع أطال الله عمره وشفاه .
وقد تناولت مداخلات الحاضرين المكانة العلمية للشيخ محمد المامي بوصفه عالمًا موسوعيًا جمع بين الفقه والأصول والشعر والمعرفة العقلية والوعي الاجتماعي، وتميّز بجرأة فكرية منضبطة داخل إطار المذهب المالكي -المذهب الغالب في أفريقيا- وسعيه إلى ربط النص بالواقع، وتبسيط العلم ورفضًا للجمود والتقليد الأعمى.، وفي لفتة رمزية ذات دلالة ثقافية، قدّمت لي المنسقية مجموعة من مؤلفات الشيخ، وألبستني الدراعة والعمامة السوداء والطربوش، تيمّنًا بالشيخ الذي عُرف بارتداء الطربوش. وقد شكّل هذا اللقاء عرسًا ثقافيًا حقيقيًا ، وفي النباغية (160كم جنوب شرق نواكشوط ) ابتهج القلب ورفرفت أجنحة العرفان حين التقيت بسيدي الشيخ اباه بن عبد الله بن اباه بن بابه بن أحمد بيبه العلوي شيخ محضرتها العامرة الكبيرة التي اصطحبني إليها أستاذي الدكتور أحمد سعيد نجل أستاذنا الراحل العظيم الدكتور المختار ولده أباه ( شقيق الشيخ الله بن عبد الله ) وبين طلابها الوافدين من شتى أنحاء العالم الإسلامي ، من اليمن وحتى غانا وجامبيا من مختلف الأعمار ، من 6 سنوات وحتى ستين عاما يتنتشرون في أكواخهم التي بنوها ويملؤون ساحة وجنبات المسجد في صورة بديعة من صور التجليات العلمية والفقهية ما بين حفظ القرآن وتدريس متون الفقه المالكي واللغة إلى درس سيدنا الشيخ عبد الله الذي ضاق على اتساع المكان بتلاميذه من الرجال مخلتفي الأعمار وكذلك السيدات والفتيات ، تماما مثل الصورة التي نقلها ” السلطان محمد بلو” عن سيدي الشيخ عثمان دان فوديو مؤسس “سلطنة سكتو” ووالله ما أحببت في حياتي أعظم ولا أجل ولا أشرف من هذه المجالس ، بارك الله فيها وفيمن أقامها وحضرها وعمل عليها ونفعنا بهم ، ولولا أمر طارئ وهام استوجب عودتي سريعا إلى نواكشوط ما برحت النباغية حتى أرتوي رواء العطاش ، خصوصا وقد وجدت في انتظاري الكاتب الروائي والصحفي الكبير أستاذي عبد الله ولد محمدي ( صاحب الكتاب الهام ” رحلة الحج على خطى الجد ” الذي زار فيه كل الأماكن التي ارتادها جده العالم الفقيه محمد فال بن بابه العلوي إبان رحلته للحج ) ، و كان قد هيأ لي مع أستاذنا الدكتور أحمد سعيد لقاءات علمية وثقافية وفقهية افتقدتها بالعودة مسرعا إلى نواكشوط .
