كشف تقرير ميداني جديد أعدّته ونشرته دويتشه فيله (DW) عن واقعٍ إنساني بالغ القسوة يعيشه آلاف اللاجئين الأزواديين والماسنيين داخل مخيم أمبرة الواقع شرق موريتانيا، قرب الحدود مع أزواد. ويأتي هذا التوثيق في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في مالي وتصاعد موجات العنف التي دفعت عشرات الآلاف إلى الفرار طلبًا للأمان.
ظروف معيشية قاسية واعتماد شبه كلي على المساعدات
يرصد التقرير مشاهد يومية من داخل المخيم تُظهر الاكتظاظ داخل الخيام، والنقص الحاد في الخدمات الأساسية، واعتماد السكان شبه الكامل على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية. كما يبرز هشاشة البنية التحتية في مواجهة تزايد أعداد الوافدين، ما يضاعف الضغط على الموارد المحدودة أصلًا.
شهادات صادمة من قلب المعاناة
ينقل الفيديو شهادات مؤثرة للاجئين—غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن—يعبّرون فيها عن معاناتهم اليومية وخوفهم المستمر واحتياجاتهم الملحّة. ومن بين هذه الشهادات، يقدّم محمد با رواية قاسية يتهم فيها الجيش المالي ومرتزقة مجموعة فاغنر بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، قائلاً:
«سبب قدومي إلى موريتانيا هو أن مليشيات فاغنر جاءت إلى قريتنا مع الجيش المالي في الساعة الثالثة فجرًا. هربنا مذعورين وتفرّقنا. من لم يستطع الفرار قُتل وأُحرق، وأُحرقت بيوتهم.»
شهادات نسائية تعمّق صورة الانتهاكات
كما يتضمن التقرير شهادة اللاجئة أومو با، التي تؤكد أنها شاهدت بنفسها دخول الجيش المالي إلى قريتها وقتل تسعة أشخاص واعتقال 24 آخرين، مضيفة:
«فررتُ لاجئة دون أي فرد من عائلتي. وهدّدنا الجيش بأنه إن عاد ووجدنا في القرية سيقتل الجميع، رجالًا ونساءً.»
صوت النساء في المخيم: شهادة الناشطة الأزوادية زهراء ولت محمد
ومن داخل المخيم، قدّمت الناشطة الأزوادية زهراء ولت محمد—رئيسة جمعية خيرية تُعنى بحماية النساء من العنف—شهادة إنسانية تلخّص جانبًا مهمًا من معاناة النساء داخل مخيم أمبرة. وأكدت زهراء أن النساء الأرامل يشكّلن نسبة لافتة من سكان المخيم، موضحةً أن الأرامل يمثلن نحو 20% من قاطنيه، وأن أزواجهن فقدوا حياتهم في حروب وصراعات «لا ناقة لهم فيها ولا جمل».
ووصفت الوضع الإنساني بعبارات موجعة قائلة: «المعاناة هنا لا تُوصف»، مشيرة إلى أن حجم الصعوبات التي تواجهها المرأة في التأقلم مع الحياة داخل المخيم يفوق الوصف، خصوصًا في ظل غياب «حماية زوجية واضحة» وما يترتب على ذلك من هشاشة اجتماعية واقتصادية.
كما سلّطت الضوء على التحديات الأسرية، مؤكدة أن غياب الزوج يضع المرأة أمام مشاكل كبيرة في رعاية الأطفال، لا سيما حين يكونون في سن مبكرة، فتضطر الأم إلى تحمّل مسؤولية الإعالة والرعاية وحدها داخل بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.
تحديات الإغاثة واستمرار النزوح
يسلّط التقرير الضوء على الصعوبات التي تواجه المنظمات الإنسانية في تلبية الاحتياجات المتزايدة داخل المخيم، في ظل محدودية التمويل واستمرار تدفّق اللاجئين. ويؤكد العاملون في الإغاثة أن أي تراجع في الدعم سيضاعف من معاناة السكان، خصوصًا مع اقتراب مواسم حرّ قاسية وأمراض مرتبطة بسوء التغذية وشح المياه.
نداء إنساني عاجل
تعيد هذه الشهادات فتح ملف الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين في مالي، وتطرح أسئلة ملحّة حول حماية اللاجئين وضمان مساءلة المتورطين. كما يشكّل التقرير نداءً عاجلًا للمجتمع الدولي لتعزيز الدعم الإنساني لمخيم أمبرة، وتحسين ظروف العيش، وضمان كرامة وأمن آلاف العائلات التي لا تزال تدفع ثمن صراع لم تختره.
