منذ نهاية عام 2021، دخلت مالي مرحلة جديدة من تاريخها الأمني والعسكري، بعد قرار السلطات الانتقالية في باماكو الاستعانة بالمرتزقة الروس لمواجهة تصاعد التهديدات الجهادية والحركات الأزوادية ، عقب تراجع الشراكة مع فرنسا وانسحاب قواتها. في البداية، مثّل مجموعة فاغنر عنوان هذا التحالف، قبل أن تُطوى صفحتها رسميًا عقب مقتل زعيمها يفغيني بريغوجين، ليحل محلها كيان جديد أكثر ارتباطًا بموسكو: الفيلق الإفريقي.
غير أن هذا التحول، الذي رُوّج له على أنه إعادة تنظيم وتحسين للأداء العسكري، كشف – وفق التحقيق – عن فاتورة مالية هائلة تحملتها الدولة المالية، مقابل نتائج ميدانية وُصفت بالمحدودة.
أولًا: ترسيخ الوجود الروسي… من فاغنر إلى الفيلق الإفريقي
يرصد التحقيق الصادر عن مجلة جون افريك مشاهد رمزية لبداية تمركز الفيلق الإفريقي في مالي، من بينها تشييد كنيسة أرثوذكسية صغيرة داخل إحدى القواعد العسكرية في باماكو، في إشارة إلى طابع الاستقرار طويل الأمد لهذا الوجود. فبعد سبعة أشهر فقط من مغادرة فاغنر، أصبح الفيلق الإفريقي القوة الروسية الجديدة المعتمدة رسميًا من قبل موسكو، وتعمل تحت إشراف مباشر من الاستخبارات العسكرية الروسية، مع سلسلة قيادة عمودية تنتهي إلى الكرملين .
لكن، وعلى عكس فاغنر التي عُرفت بسرعة التدخل ومرونة القرار، واجه الفيلق الإفريقي صعوبات ميدانية واضحة في بداياتها، خصوصًا خلال الحصار الذي فرضته جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» على محيط العاصمة باماكو في أواخر 2025، حيث تأخر تدخلها لحماية قوافل الوقود، ما أثار تساؤلات داخل أوساط القيادة العسكرية المالية حول فعاليتها.
ثانيًا: الأرقام الصادمة… كلفة تقترب من مليار دولار
أحد أخطر ما يكشفه التقرير هو الحجم الحقيقي للإنفاق المالي على الشراكة الروسية. فوفق معطيات موثقة:
- يبلغ متوسط كلفة الجندي الروسي الواحد نحو 10 آلاف دولار شهريًا، تشمل الراتب (قرابة 3000 دولار) ومصاريف النقل والتجهيز واللوجستيات.
- مع بداية التعاقد مع فاغنر، كان عدد المرتزقة نحو 1000 عنصر، ما يعني فاتورة شهرية تقارب 10 ملايين دولار.
- بحلول نهاية 2023، ارتفع العدد إلى 2500 عنصر، لترتفع الكلفة إلى 25 مليون دولار شهريًا.
- تشير التقديرات إلى أن الفترة الممتدة من يناير 2023 إلى يوليو 2025 كلّفت الخزينة المالية 681 مليون دولار.
- أضيف إلى ذلك 202 مليون دولار لتجهيز وانتشار أول دفعة من قوات الفيلق الإفريقي بين ديسمبر 2024 ونوفمبر 2025.
وبذلك، فإن إجمالي ما أنفقته مالي على التحالف العسكري الروسي منذ وصول فاغنر أواخر 2021 وحتى نهاية 2025 يناهز 900 مليون دولار، وهو رقم ضخم إذا ما قورن بميزانية الدفاع السنوية لمالي المقدّرة بنحو 531 مليار فرنك إفريقي (حوالي 810 ملايين يورو) .
ثالثًا: كيف دفعت مالي؟ شبكة «الحوالة» والتمويل السري
يفصّل التقرير في آليات الدفع التي اعتمدتها السلطات المالية، حيث جرى الالتفاف على النظام المصرفي التقليدي باستخدام شبكة حوالة غير رسمية تمتد بين باماكو ودبي وموسكو.
ويشير التحقيق إلى أن وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، أشرف شخصيًا على هذا النظام، بمساعدة مسؤولين عسكريين بارزين، من بينهم قائد سلاح الجو ونائبه. وقد أدرجت الولايات المتحدة هؤلاء الضباط على لائحة العقوبات في يوليو 2023، بتهمة تسهيل التعاون المالي والعسكري مع المرتزقة الروس .
وعلى عكس تجارب دول أخرى مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، لم تتمكن فاغنر في مالي من إنشاء شبكات اقتصادية موازية واسعة في قطاعي الذهب أو الأخشاب، ما جعل الدولة المالية تتحمل العبء المالي كاملًا نقدًا.
رابعًا: من يقود الفيلق الإفريقي ؟

بعد تصفية القيادة التاريخية لفاغنر، أوكل الكرملين مهمة الإشراف على الفيلق الإفريقي إلى الجنرال أندريه أفيريانوف، أحد كبار ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية، والمتهم بإدارة عمليات تخريب واغتيالات خارج روسيا.
ويُدير العمليات الميدانية كل من كونستانتين ميرزاينتس وفلاديمير سليفيرستوف، الأخير يقيم بشكل دائم في باماكو، ويتحرك دبلوماسيًا في دول غرب إفريقيا بحثًا عن عقود جديدة، ما يعكس الطابع الإقليمي المتوسع للمشروع الروسي في الساحل .
خامسًا: نتائج ميدانية محدودة رغم الكلفة
على الرغم من هذا الاستثمار المالي والعسكري الضخم، يخلص التقرير إلى أن النتائج على الأرض لم تكن بمستوى التوقعات.
فالتهديد الجهادي لم يتراجع، بل واصل توسعه نحو وسط وغرب البلاد، وبقيت باماكو نفسها مهددة بالحصار. ومع ذلك، اضطرت السلطات المالية إلى تجديد عقد الفيلق الإفريقي، بل والموافقة على زيادة عدد عناصرها إلى نحو 3500 جندي خلال 2026، ما سيرفع الكلفة الشهرية إلى 35 مليون دولار، في محاولة يائسة لكبح التدهور الأمني .
خاتمة
يكشف هذا التحقيق بوضوح أن الانتقال من فاغنر إلى الفيلق الإفريقي لم يكن قطيعة حقيقية، بقدر ما كان إعادة تسمية وتنظيم لمنظومة النفوذ الروسي في مالي. وبينما تتحمل الدولة المالية كلفة مالية تقارب المليار دولار في أقل من خمس سنوات، لا تزال النتائج الأمنية محل شك، في ظل تصاعد العنف واستمرار هشاشة الوضع.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع مالي الاستمرار في هذا المسار المكلف، أم أن ثمن التحالف مع المرتزقة الروس سيتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد يفوق قدرة الدولة على الاحتمال؟
المصدر: جون أفريك
