أصدر سعد، القائد السابق في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) والمنشق حديثًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، سلسلة تسجيلات صوتية جديدة، قدّم فيها روايته المفصلة لأسباب انشقاقه، وكشف عن معطيات حساسة تتعلق بما وصفه بـ«الانحراف العقدي والشرعي» داخل الجماعة، إضافة إلى كواليس هدنة سرّية مع دولة بنين، ودور القيادة المرتبطة بـ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في فرض خيارات ميدانية أثارت خلافات داخلية حادة.
أولًا: اتهام مباشر بعدم تطبيق الشريعة
ركّز سعد في معظم حديثه على ما اعتبره السبب الجوهري لانشقاقه، وهو «عدم تطبيق الشريعة الإسلامية» داخل مناطق نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مؤكدًا أن الشعارات الدينية التي ترفعها الجماعة لا تجد ترجمتها على أرض الواقع.
وضرب أمثلة قال إنها كانت حاسمة في تكوين قناعته النهائية، أبرزها حد السرقة؛ إذ أوضح أنه في حال ثبوت السرقة – سواء كان السارق عنصرًا في الجماعة أو مدنيًا يعيش تحت سلطتها – لا يُقام الحد الشرعي بقطع اليد، بل يُعاقَب الشخص بالسجن أو القتل، وهو ما اعتبره مخالفة صريحة لأحكام الشريعة.
كما تطرّق إلى قضية الزنا، موضحًا أن المقاتل غير المتزوج إذا ارتكب الزنا يُترك دون أي عقوبة، بينما إذا كان متزوجًا، يُجلد 300 جلدة، وهو حكم قال إن قيادة الجماعة أقرّته بالتوافق مع قيادة القاعدة، معتبرًا ذلك خروجًا عن الأحكام الشرعية المعروفة.
ويضيف سعد أنه صبر فترة طويلة على أمل تنفيذ الوعود المتكررة بتطبيق الشريعة، لكنه خلص في النهاية إلى أن هذه الوعود لم تكن سوى «شعارات فارغة».
ثانيًا: هدنة بنين… قرار مفروض من الخارج
في محور بالغ الحساسية، كشف سعد تفاصيل غير مسبوقة حول هدنة بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ودولة بنين. وأكد أنه حضر اجتماعًا ضم سبعة من قادة الجماعة في مناطق مختلفة، حيث أُبلغوا رسميًا بأن هدنة قد أُبرمت مع بنين، وأن القرار صادر عن قيادة القاعدة.
وبحسب روايته، فقد واجه هذا القرار اعتراضات داخل الاجتماع، خاصة من القادة الذين كانوا يخوضون مواجهات فعلية مع القوات البنينة، ولم يروا أي مبرر لوقف العمليات. غير أن هذه الاعتراضات – كما يقول – جوبهت بضغوط مباشرة لإجبارهم على القبول بالهدنة.
ثالثًا: حماية بنين ومنع تمدد «داعش »
أكثر ما أثار غضب سعد، بحسب قوله، لم يكن فقط وقف القتال، بل الأوامر التي صدرت لاحقًا لمقاتلي الجماعة بحراسة الحدود مع بنين، ليس لحماية المدنيين، وإنما لمنع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل من دخول البلاد ومهاجمة القوات البنينة أو التوسع داخلها.
ويؤكد أن قائد الجماعة في منطقة فادا نغورما هو من أصدر هذه الأوامر، معتبرًا أن هذا السلوك يمثّل «حماية مباشرة لدولة كافرة ومنعًا للجهاد»، وهو ما شكّل – حسب تعبيره – أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى الانشقاق والالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية.
رابعًا: هجوم بنين الأخير… رسالة سياسية
وبخصوص الهجوم الذي نفذته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في بنين بعد أيام فقط من كشفه تفاصيل الهدنة، يرى سعد أن العملية لم تكن دليلًا على إلغاء الاتفاق، بل رسالة متعمدة للرد على اتهاماته، ومحاولة لإظهار أن الجماعة غير ملتزمة بالسلام، رغم استمرار التفاهمات في الخفاء.
خامسًا: نفي قاطع لدوافع المال
ردّ سعد بشكل مباشر على الاتهامات التي وُجهت إليه بأنه انشق بدافع مالي. وأوضح أنه كان بحوزته 50 مليون فرنك إفريقي من أموال الجماعة قبل انشقاقه، وقد سلّمها بالكامل للقائد العام في شرق بوركينا فاسو.
كما أشار إلى أنه كان يتصرف في نصيب كتيبته من فدية دفعتها دولة الإمارات مقابل الإفراج عن الأمير الإماراتي العام الماضي، والتي تراوحت – بحسب قوله – بين 65 و130 مليون فرنك إفريقي. وأضاف: «لو كان هدفي المال، لأخذته معي، لكني تركته عمدًا ليكون شاهدًا على صدق نيّتي».
قناعة بعد انتظار طويل
واختتم سعد تسجيله بالتأكيد على أن انشقاقه لم يكن قرارًا لحظيًا، بل نتيجة قناعة تشكّلت بعد انتظار طويل. ويقول إنه ظل يأمل في تطبيق الشريعة، لكن عندما تبيّن له أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس، «حزم أمره وغادر».
خلاصة:
تكشف هذه التسجيلات عن تصدّعات فكرية وتنظيمية عميقة داخل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لا تقتصر على الخلاف مع تنظيم الدولة الإسلامية، بل تمتد إلى العلاقة مع قيادة القاعدة نفسها، خاصة فيما يتعلق بإدارة الصراع، وعقد التفاهمات مع الدول، وتوظيف الخطاب الديني في الميدان.
كما تسلط الضوء على أن الصراع الجهادي في الساحل لم يعد عسكريًا فقط، بل بات صراعًا على الشرعية الدينية والتمثيل الأيديولوجي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات أمنية خطيرة على المنطقة.
