في إعلان مقتضب لكنه كاشف لحجم الأزمة، أعلنت شركة الطيران المالية Sky Mali يوم 6 يناير 2026 عن إلغاء عدد من رحلاتها الجوية وإجراء تعديلات على برنامجها خلال الأيام التالية، بسبب ما وصفته بـ«قيود لوجستية في سلسلة تزويد الوقود المخصص للعمليات الجوية». ورغم اللغة التقنية الهادئة التي استخدمتها الشركة، إلا أن خلفية القرار تعكس واقعًا أعمق وأكثر تعقيدًا تعيشه العاصمة باماكو منذ أشهر: أزمة وقود خانقة بات البنزين فيها سلعة نادرة، أقرب إلى الذهب منها إلى مادة استهلاكية يومية.
البنزين… سلعة نادرة في قلب العاصمة
منذ منتصف 2025، تعيش باماكو على إيقاع أزمات متكررة في توفر الوقود. أسابيع طويلة تمرّ أحيانًا دون دخول أي شحنات بنزين، قبل أن تتحول لحظات وصول الصهاريج إلى مشهد احتفالي في الشوارع، حيث تصطف السيارات لساعات، وتعود السوق السوداء للانتعاش بأسعار خيالية. هذا الواقع لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية في العاصمة، ما أثر بشكل مباشر على النقل، والكهرباء، والأنشطة الاقتصادية، وحتى الخدمات الأساسية.
حصار أمني وتأثير مباشر على الحياة المدنية
تعود جذور الأزمة، وفق مصادر أمنية وإعلامية مالية، إلى الحصار الخانق الذي فرضته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على باماكو عبر السيطرة على المحاور والطرق الرئيسية المؤدية إليها. هذا الحصار بلغ ذروته خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2025، حيث أدى النقص الحاد في الوقود إلى إغلاق المدارس والجامعات وتعطّل عدد كبير من المؤسسات العمومية، في سابقة عكست هشاشة الوضع الأمني وقدرته على شلّ الدولة دون السيطرة المباشرة على العاصمة نفسها.
هدنة مؤقتة… وانفراج محدود
في شهر نوفمبر 2025، شهدت الأزمة انفراجًا نسبيًا، بعد اتفاق غير معلن بين المجلس العسكري الحاكم والجماعة، سمح بتقليص الهجمات على قوافل الوقود مقابل إطلاق سراح عدد من الجهاديين، بحسب ما تداولته وسائل إعلام مالية ومصادر مطلعة. هذا التفاهم الهش مكّن من دخول كميات محدودة من البنزين إلى باماكو، ما خفف الضغط مؤقتًا عن السوق وعن القطاعات الحيوية، دون أن يعالج جذور المشكلة.
عودة الهجمات بعد نهاية الهدنة
لكن مع انتهاء الهدنة في 5 ديسمبر 2025، عادت الجماعة إلى تصعيد عملياتها، مستهدفة حافلات النقل، ووحدات الجيش المالي، وصهاريج الوقود، ومتسببة في خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح إدخال البنزين إلى العاصمة مهمة شديدة الخطورة، في ظل تطويق باماكو من جميع مداخلها تقريبًا، ما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وربما أسوأ.
Sky Mali… أول المتأثرين وليس الأخير
قرار Sky Mali بتعليق جزء من رحلاتها لا يبدو معزولًا عن هذا السياق. فقطاع الطيران، الذي يعتمد بشكل مباشر على انتظام تزويد الوقود، كان من أوائل القطاعات التي شعرت بعمق الأزمة. وبينما تؤكد الشركة التزامها بالسلامة والشفافية، وتحمّل الظروف الخارجية مسؤولية ما حدث، فإن الرسالة الضمنية واضحة: أزمة الوقود لم تعد تمسّ الشارع فقط، بل بدأت تضرب شرايين الدولة الاقتصادية والخدمية.
أزمة تتجاوز الطيران
ما يحدث اليوم مع Sky Mali قد يكون مجرد مؤشر على مرحلة أكثر تعقيدًا. فاستمرار الحصار، وتقطع الإمدادات، وغياب حلول دائمة، ينذر بتوسّع تأثير الأزمة ليشمل قطاعات أخرى حيوية، في بلد يعيش أصلًا تحت ضغط أمني وسياسي واقتصادي متداخل. وفي ظل هذا المشهد، يبدو البنزين في مالي ليس مجرد وقود… بل مفتاح استقرار، وأداة ضغط، وعنوانًا لأزمة دولة بأكملها.
