تتجه أزمة الوقود في مالي نحو مزيد من التعقيد، بعد أن قررت السلطات النيجرية فرض عقوبات صارمة على عدد من ناقلي المحروقات الذين رفضوا الامتثال لأوامر رسمية تقضي بنقل الوقود إلى باماكو. خطوة تعكس حجم الضغط السياسي والأمني الذي تعيشه دول تحالف دول الساحل، في ظل تصاعد الهجمات الجهادية واضطراب سلاسل الإمداد الحيوية.
عندما يتحول الوقود إلى ملف أمني
أعلنت وزارة النقل في النيجر سحب الترخيص النهائي لمزاولة النشاط من 14 شركة نقل محروقات، إضافة إلى سحب رخص السياقة من 19 سائقًا، بدعوى “رفض الامتثال للتسخير الإجباري” الذي فرضته الدولة لنقل الوقود إلى مالي. كما تقرر تعليق نشاط ناقل آخر لمدة عام كامل.
وزير النقل النيجري، العقيد عبد الرحمن أمادو، وصف هذا الرفض بأنه “مخالفة جسيمة للالتزامات القانونية والتنظيمية”، في لهجة تعكس رغبة السلطة العسكرية في فرض الانضباط الكامل داخل قطاع استراتيجي، حتى وإن كان ذلك على حساب احتجاجات المهنيين.
لكن خلف هذا القرار، يختبئ سؤال أكبر: لماذا يرفض السائقون أصلًا؟
طرق محفوفة بالموت
منذ سبتمبر 2025، فرضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حصارًا مباشرًا على شاحنات الوقود المتجهة إلى باماكو. الطرق قُطعت، الصهاريج أُحرقت، وعشرات الجنود والسائقين قُتلوا. شيئًا فشيئًا، جفّ الوقود من العاصمة، ثم من مدن الجنوب والوسط والغرب.
في هذا المشهد، لم يكن رفض السائقين قرارًا سياسيًا، بل خيارًا للبقاء على قيد الحياة. فطريق الوقود بات طريق موت، رغم وجود الجيش ومرتزقة أجانب.
باماكو… عودة الطوابير أمام محطات الوقود
في 12 يناير 2026، كانت باماكو مدينة واقفة في الطوابير. سبع ساعات انتظار أمام محطة وقود قد تفتح أو لا تفتح. انقطاعات كهرباء متكررة. سيارات متوقفة. أنشطة مشلولة.
في الشوارع، لا حديث إلا عن البنزين. وفي البيوت، خوف من الغد. أما في الخطاب الرسمي، فحديث عن السيطرة والاستقرار، في تناقض صارخ مع ما يراه الناس يوميًا.
عندما يتوقف الطيران
الأزمة لم تتوقف عند الطرق. في السادس من يناير، أعلنت شركة Sky Mali إلغاء عدد من الرحلات وتعديل برنامجها، بسبب صعوبات حادة في تزويد مطار باماكو بالوقود. بيان مقتضب، لكن مضمونه ثقيل: حتى الطيران لم يعد مضمونًا.
بعدها بأيام، لحقت Air Burkina بالركب، معلنة اضطرابات في رحلاتها نحو باماكو ودكار للسبب نفسه. هكذا دخلت العاصمة في عزلة جوية، تضاف إلى عزلتها البرية.
سائقو الشاحنات ينسحبون
في خضم هذا الانسداد، أعلن سائقو الشاحنات إضرابًا مفتوحًا. يقولون إنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الخطر، بلا حماية حقيقية، وبلا ضمانات.
بينما الجنرالات في مكاتبهم، يواجه السائقون الطريق والنار.
النيجر… التضامن بالعقاب
ومع نفاد الوقود، لم تجد باماكو سوى النيجر. طلب رسمي للتزويد. قوافل تحت الحراسة. 82 شاحنة قطعت 1400 كيلومتر. عملية شاقة قُدّمت كرمز لتماسك تحالف دول الساحل.
لكن عندما رفض بعض السائقين المشاركة، جاء الرد بالعقوبات. تضامن بالإكراه، يعكس مأزق الدول الثلاث: تحالف عسكري، بلا طرق آمنة، وبلا حلول جذرية.
أزمة أكبر من البنزين
في كل هذه التفاصيل، يبدو الوقود مجرد عنوان. الأزمة أعمق: دولة عاجزة عن حماية طرقها، وسلطة ترفع خطاب السيطرة بينما تعيش العاصمة على الهامش.
في مالي اليوم، لا تُقاس الأزمة بعدد الصهاريج المحروقة فقط، بل بعدد الساعات التي يقضيها المواطن في الانتظار، وبالمسافة المتزايدة بين ما يُقال رسميًا، وما يُعاش فعليًا.
