تشهد مالي منذ أسابيع أزمة متصاعدة في إمدادات الوقود، بدأت آثارها تتسلل من الطرق البرية إلى الأجواء، بعدما أعلنت عدة شركات طيران عن تعديل أو إلغاء بعض رحلاتها من وإلى باماكو، بسبب صعوبات حادة في التزود بالوقود داخل مطار العاصمة.
شركات Air Burkina وSky Mali وCorsair كانت من بين أولى الشركات التي أعلنت رسميًا عن اضطرابات في برامجها، مبررة ذلك بـ«قيود لوجستية» و«صعوبات في سلسلة الإمداد»، في وقت تتحدث فيه مصادر مهنية عن وضع مرشح للاستمرار ما لم يتغير السياق الأمني.
مطار يعمل تحت ضغط الإمدادات
توضح البيانات الصادرة عن شركات الطيران أن الاضطرابات لا تزال محدودة ومؤقتة، لكنها كافية لإثارة القلق، خصوصًا مع اعتماد مطار باماكو شبه الكلي على الإمدادات البرية للوقود.
فشركة Air Burkina أشارت إلى «صعوبات في التزود بالوقود بمطار باماكو»، بينما تحدثت Corsair عن «قيود على الكميات المتاحة»، في حين أكدت Sky Mali أن ما يحدث «خارج عن إرادة الشركة».
حتى الآن، لم تعلن جميع الشركات العاملة في باماكو عن اضطرابات، غير أن مختصين في قطاع الطيران يحذرون من أن استمرار الوضع قد يجعل هذه الصعوبات بنيوية وليست ظرفية.
أزمة مرشحة للاستمرار
في هذا السياق، يرى الخبير في الطيران المدني مامادو لامين سو، مدير شركة Avia Tech في داكار، أن المشكلة مرتبطة مباشرة بالوضع الأمني. ويقول إن “الاضطرابات ستستمر طالما استمرت الهجمات المسلحة على طرق الإمداد”، معتبرًا أن المسألة لم تعد تقنية بل هيكلية.
ويضيف أن شركات الطيران قادرة على التكيف، عبر حمل وقود يكفي لرحلتي الذهاب والعودة، أو التوقف في مطارات دول مجاورة للتزود، غير أن هذه الحلول تعني تكاليف إضافية وتأثيرًا مباشرًا على مدة الرحلات وتنظيم الطواقم.
حصار على الوقود منذ سبتمبر
تعود جذور الأزمة إلى بداية سبتمبر 2025، عندما أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة فرض حظر فعلي على نقل الوقود عبر الطرق المؤدية إلى باماكو.
ومنذ ذلك الحين، تعرضت شاحنات وصهاريج الوقود لهجمات متكررة، ما أدى إلى تقلص الإمدادات تدريجيًا، ليس فقط للمطار، بل للعاصمة وعدد من المدن في جنوب ووسط وغرب البلاد.
هذا الحصار جعل الوقود سلعة نادرة، وأدخل قطاعات حيوية، من بينها الطيران والكهرباء والنقل، في دائرة الضغط المستمر.
صمت رسمي
ورغم تصاعد القلق، لم يصدر أي تعليق رسمي من وزارة النقل المالية أو من الوكالة الوطنية للطيران المدني (ANAC)، رغم محاولات التواصل. في المقابل، اكتفت السلطات العسكرية بالإعلان عن ضربات جوية استهدفت مجموعات مسلحة في مناطق متفرقة من البلاد، في محاولة لإظهار استمرار العمليات الأمنية.
بين التكيف والمجهول
يؤكد خبراء أن شركات الطيران ستتكيف تدريجيًا مع الواقع الجديد، وقد تعيد برمجة رحلاتها خلال الأشهر المقبلة بما يراعي نقص الوقود، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن أي تدهور إضافي في الوضع الأمني قد ينعكس مباشرة على حركة الطيران وعلى عزلة البلاد.
في الوقت الراهن، لا تزال الرحلات الجوية إلى باماكو قائمة، لكن تحت ضغط واقع أمني ولوجستي هش، يجعل الوقود — مرة أخرى — مرآة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها مالي.
