هناك معارك تنتهي بانتهاء الرصاص، وهناك معارك تتحول إلى ذاكرة تتناقلها الأجيال. ومعركة تين تغاغيت (تنزواتين) واحدة من تلك المحطات التي تجاوز صداها حدود المكان، وأصبحت في وقتها حديث وسائل الإعلام العالمية، لما حملته من دلالات عسكرية وسياسية ورمزية كبيرة.
في تلك المعركة، خاض ثوار أزواد مواجهة شرسة ضد قوة تابعة لفاغنر، انتهت، بالقضاء على كتيبة كاملة وأسر اثنين من عناصرها. ولم تكن أهمية الحدث مرتبطة بنتيجته العسكرية فحسب، بل بما مثّله من كسر لصورة القوة والهيبة التي حاولت فاغنر ترسيخها في المنطقة. وقد تحولت المعركة يومها إلى حديث الساعة، وتناقلتها وسائل الإعلام، وخلّدها الشعراء والمنشدون بقصائد وأشعار عبّرت عن وقعها في الوجدان الشعبي.
وبعد نحو عامين، جاء إطلاق سراح الأسيرين بوساطة من أطراف دولية. وهنا بدأت معركة أخرى، ليست في الميدان، وإنما في الرواية والذاكرة والإعلام.
فبدلاً من أن يُذكر بوضوح أن الرجلين كانا قد أُسرا خلال معركة ميدانية، حاول بعض ما يمكن وصفه بـ«الإعلام الأسود» إعادة صياغة القصة، وتزييف دلالاتها، واختزال دور من قاموا بأسرهما، بل وتصوير الأسر على أنه عملية خطف، ثم تقديم الجهة التي تسلمتهما عند إطلاق سراحهما في صورة البطل والمنقذ، وكأن التاريخ بدأ لحظة التسليم وانتهى عندها.
لكن التاريخ لا يُكتب بلقطة واحدة، ولا تُمحى وقائع المعارك بتغيير العناوين.
تين تغاغيت لم تكن عملية خطف، ولم تكن حادثة عابرة؛ كانت معركة. وكانت لها ظروفها ومقاتلوها ونتائجها، وسقط فيها رجال، وتغيرت بعدها حسابات كثيرة. ومن الظلم اختزال كل ذلك في مشهد إطلاق سراح أسيرين، أو منح بطولة لمن ظهر في آخر فصل من القصة، بينما يُهمَّش من خاضوا المعركة وتحملوا تبعاتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يخسر معركته في الذاكرة بعد أن يكون قد كسبها في الميدان. ولذلك فإن مسؤولية توثيق هذه الأحداث لا تقع على المقاتلين وحدهم، بل تقع كذلك على الكتاب والمؤرخين والمثقفين والإعلاميين؛ لأن المعركة التي لا تُكتب، ولا تُوثق، ولا تُروى كما حدثت، تصبح عرضة لأن يعيد الآخرون كتابتها بما يخدم روايتهم.
ومعركة تين تغاغيت تستحق أن تحفظ في ذاكرة الأجيال، لا من باب تمجيد الحرب، وإنما من باب حفظ الحقيقة وتوثيق تضحيات الرجال الذين شاركوا فيها، وتسجيل الأحداث كما وقعت بعيداً عن التوظيف السياسي والإعلامي.
معركة تين تغاغيت لم تكن معركة عادية؛ ذهبت برجال، لكنها كسرت كبرياء الأعداء، وتركت أثراً تجاوز حدود الميدان.
ولهذا يجب ألا تُترك ذاكرتها للصدفة، ولا للروايات المتأخرة، ولا لمن يملك منابر إعلامية أكبر. فالشعوب لا تحافظ على تاريخها بالسلاح وحده، وإنما تحفظه أيضاً بالكلمة، والوثيقة، والشهادة، والقلم.
إنها مسؤولية جيل تجاه جيل: أن تُروى تين تغاغيت كما كانت، وأن تبقى أسماء من صنعوا تلك اللحظة حاضرة في الذاكرة، وأن يعرف الأبناء أن وراء كل صفحة من صفحات التاريخ رجالاً دفعوا ثمناً غالياً، وأن الحقيقة، مهما حاول البعض طمسها، تبقى أقوى من كل حملات التزييف.
تين تغاغيت معركة يجب أن تُحفظ في ذاكرة الأجيال. وهذه مهمة الكتاب والمثقفين قبل أن تكون مهمة المقاتلين.
داود اغ بادي
