نشر مركز صوفان (The Soufan Center)، وهو مركز أبحاث أمريكي مستقل غير ربحي مقره نيويورك، ومتخصص في قضايا الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والتطرف والشؤون الجيوسياسية، تقريراً استخباراتياً بعنوان «ما مدى استقرار المجلس العسكري في مالي؟»، في 18 أغسطس 2026.، خلص فيه إلى أن النظام العسكري في باماكو يواجه واحدة من أصعب مراحله منذ وصوله إلى السلطة بانقلاب 2020، رغم استمرار حصوله على دعم اقتصادي وعسكري من صادرات الذهب وروسيا.
وأشار المركز الأمريكي إلى أن نجاح عمليات الإفراج عن الرهائن في منطقة الساحل خلال الفترة الأخيرة يتناقض بشكل واضح مع الوضع الأمني المتدهور في مالي، حيث تواصل الجماعات المسلحة توسيع نفوذها، بينما يواجه المجلس العسكري ضغوطاً عسكرية واقتصادية ولوجستية متزايدة.
جبهة تحرير أزواد تضغط على باماكو
أبرز مركز صوفان التطورات المرتبطة بـجبهة تحرير أزواد (FLA)، مشيراً إلى أن الجبهة الأزوادية أفرجت الأسبوع الماضي عن 82 جندياً من القوات المسلحة المالية كانت تحتجزهم، وكان عدد منهم قد أُسر خلال الهجوم المشترك الذي شنته الجبهة بالتنسيق مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في 25 أبريل 2026.
وبحسب المركز، أدى ذلك الهجوم إلى إعادة السيطرة على كيدال وزيادة الضغط على الحكومة العسكرية في باماكو. كما أشار التقرير إلى الإفراج عن نحو 60 مدنياً كانوا محتجزين لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، في سياق منفصل من عمليات الإفراج والوساطات التي شهدتها مالي ومنطقة الساحل خلال الأسابيع الأخيرة.
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.. قوة عسكرية واقتصادية متنامية
يرى مركز صوفان أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أصبحت واحدة من أنجح الحركات الجهادية في أفريقيا، ليس فقط بسبب قدرتها على تنفيذ هجمات ضد القوات الحكومية، وإنما أيضاً بسبب قدرتها على السيطرة على الأراضي والاحتفاظ بها وإدارتها، وتوفير مصادر مالية مستدامة.
وأشار التقرير إلى أن الحصار الذي فرضته الجماعة على إمدادات الوقود منذ سبتمبر 2025 يقترب من عامه الأول، بينما تواصل الجماعة تنفيذ عمليات ضد النظام المالي.
كما تعتمد الجماعة على مصادر متعددة لتمويل عملياتها، من بينها فرض الضرائب على الطرق، وابتزاز الأنشطة المرتبطة بتجارة الذهب، و«الزكاة»، وعمليات الاختطاف مقابل الفدية.
ويقدر أحدث تقرير لفريق الرصد التابع للأمم المتحدة عدد مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل بنحو 7 آلاف إلى 8 آلاف مقاتل، نصفهم تقريباً ينشطون داخل مالي و أزواد.
الذهب.. مصدر قوة للنظام ومجال لاستنزافه
رغم اعتماد المجلس العسكري بشكل كبير على الذهب باعتباره المصدر الرئيسي للصادرات المالية، يرى مركز صوفان أن هذا القطاع نفسه أصبح عرضة لضغوط متزايدة من الجماعات المسلحة.
وأوضح التقرير أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على المناجم للحصول على عائدات الذهب، إذ تستفيد من طرق نقل الذهب وتفرض الإتاوات والضرائب على مراحل مختلفة من سلسلة القيمة.
كما أشار إلى أن الجماعة استعادت خلال هجوم أبريل السيطرة على إنتاهاقا، التي تضم أكبر منجم للذهب التقليدي في أزواد، بينما لا تزال الحكومة المالية تسيطر على المناجم الصناعية الرئيسية في جنوب و غرب البلاد.
لكن باماكو تضطر في المقابل إلى تحمل تكاليف كبيرة لحماية طرق الإمداد، بما في ذلك القوافل العسكرية المرافقة، إضافة إلى تكلفة الاستعانة بالقوات الروسية.
طرق الإمداد.. نقطة ضعف خطيرة
ويعتبر المركز أن سلاسل الإمداد تمثل إحدى أبرز نقاط الضعف أمام المجلس العسكري، خصوصاً مع اعتماد مالي شبه الكامل على الطرق البرية لاستيراد النفط من السنغال وساحل العاج.
وبحسب التقرير، تستفيد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد من هذه الهشاشة عبر نقاط التفتيش والكمائن والألغام، ما أدى إلى تدهور القدرات اللوجستية للقوات المالية وفرض استخدام قوافل مسلحة بشكل دائم لتأمين وصول الإمدادات إلى باماكو.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن روسيا تواصل توفير الدعم اللوجستي والأمني لباماكو، في وقت بدأت فيه طرق نقل المعدات العسكرية تتغير بسبب التحديات الأمنية والعقوبات.
روسيا و«الفيلق الإفريقي».. دعم لا يحل الأزمة
رغم الانتكاسات العسكرية، لا تزال الشراكة بين باماكو وموسكو قائمة. ويقدر مركز صوفان عدد عناصر الفيلق الإفريقي الروسي في مالي بما بين 2000 و2500 عنصر، مع وجود مجموعة جوية متمركزة في باماكو، وفق ما أورده التقرير.
ويرى المركز أن اعتماد المجلس العسكري على الشركاء الخارجيين لا يخلو من إشكالات، خصوصاً بعد الهجوم الكبير في أبريل، إلا أن روسيا ما تزال يُنظر إليها داخل النظام المالي باعتبارها شريكاً أساسياً ومصدراً للدعم العسكري.
كما أشار التقرير إلى أن موسكو لعبت دوراً في إعادة التقارب بين باماكو والجزائر، بعد فترة من التوتر الحاد بين البلدين.
تراجع السيطرة على الرواية الرسمية
لم يقتصر تقييم مركز صوفان على الجانب العسكري، بل تناول أيضاً قدرة المجلس العسكري على الحفاظ على شرعيته السياسية.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة العسكرية تمكنت من احتكار جزء كبير من المجال الإعلامي الرسمي بعد طرد وسائل إعلام مستقلة واعتقال أصوات معارضة، إلا أن الجماعات المسلحة باتت تستخدم وسائلها الخاصة لبناء رواية مضادة.
وفي هذا السياق، يذكر المركز نشاط مؤسسة الزلاقة التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تجمع بين التحريض على مقاومة المجلس العسكري ومحاولة تقديم الجماعة باعتبارها طرفاً قادراً على ممارسة نوع من الحكم المحلي وإصدار الأحكام.
كما أشار إلى وجود نحو نصف مليون نازح داخلياً، إلى جانب الفقر وانعدام الأمن الغذائي والانتهاكات المنسوبة إلى أطراف مختلفة، وهي عوامل يقول المركز إنها تزيد من تآكل مصداقية الحكومة.
كيدال خارج سيطرة المجلس العسكري
على المستوى الجغرافي، يرى مركز صوفان أن المجلس العسكري لا يزال يسيطر على معظم المدن الرئيسية في مالي، مع استثناء بارز يتمثل في كيدال، بينما أصبحت حركة القوات والإمدادات بين المدن تعتمد بشكل متزايد على القوافل المسلحة بسبب الكمائن والحواجز والهجمات.
ويعتبر المركز أن ضعف التماسك الداخلي للنظام يمثل نقطة ضعف إضافية، مشيراً إلى عمليات تطهير واعتقالات داخل المؤسسة العسكرية منذ 2025، بما في ذلك بعد هجوم أبريل 2026، عندما جرى استهداف عسكريين للاشتباه في تعاونهم مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد.
تنظيم الدولة يستفيد من فراغ السلطة
وفي ميناكا والمثلث الحدودي، يلفت التقرير إلى تنامي نفوذ ولاية الساحل التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (ISSP)، التي يقدر المركز عدد مقاتليها بنحو 2000 مقاتل.
ويقول مركز صوفان إن التنظيم عزز سيطرته في منطقة ميناكا وأصبح يحاصر مدينة ميناكا، مستفيداً من تراجع قدرة الدولة على بسط سلطتها.
كما يلفت التقرير إلى أن تنظيم الدولة يستفيد من الفراغات الأمنية التي خلفتها عمليات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في الوقت الذي يستمر فيه الصراع بين التنظيمين، وهو ما قد يؤدي، وفق المركز، إلى منافسة أكثر حدة بينهما وتصعيد في مستوى الهجمات مستقبلاً.
خلاصة مركز صوفان
يخلص مركز صوفان إلى أن جميع هذه التطورات تشير إلى أن المجلس العسكري المالي يمر بأضعف مرحلة له منذ انقلاب 2020.
ويرى المركز أن مستقبل النظام سيتوقف بدرجة كبيرة على عدة عوامل، من بينها قدرة الحكومة على تأمين دخول القوافل إلى باماكو، ومستوى السيطرة على المدن الرئيسية، ووضع قيادة النظام، إلى جانب تطور قدرات الجماعات المسلحة.
وفي المقابل، فإن استمرار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الاستيلاء على الأراضي وفرض الضرائب وتطوير مصادر تمويلها، إلى جانب توسع تنظيم الدولة في مينكا، يضع المجلس العسكري أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متزامنة.
وبذلك، يقدم تقرير مركز صوفان صورة لنظام لا يزال قادراً على البقاء بفضل عائدات الذهب والدعم الروسي والشراكات الإقليمية، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة على قدرته على السيطرة على الأراضي وتأمين طرق الإمداد والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.
تقرير مركز صوفان الكامل: How Stable is Mali’s Junta?
