بعد أكثر من تسعة أشهر من الأسر، أُفرج عن الأمريكي كيفن رايدوت، المبشر والطيار العامل لدى منظمة SIM International (Serving In Mission)، في عملية تثير تساؤلات واسعة حول مسار المفاوضات التي قادت إلى إطلاق سراحه، والجهات التي لعبت دوراً فيها، ولا سيما المشير خليفة حفتر والسلطات في شرق ليبيا.
رايدوت، الذي كان يعمل في النيجر، اختُطف في العاصمة نيامي ليلة 21 أكتوبر 2025 على يد ثلاثة مسلحين، بالقرب من منزله في حي شاتو 1، أحد الأحياء شديدة الحراسة في العاصمة، وعلى مسافة قصيرة جداً من القصر الرئاسي. وكانت مصادر قد قدرت المسافة بين مكان اختطافه والقصر الرئاسي بأقل من 150 ياردة، فيما تحدثت مصادر أخرى عن نحو 100 ياردة فقط.
وقد أثار موقع الاختطاف منذ البداية علامات استفهام كبيرة، إذ تمكن المسلحون من الوصول إلى منطقة يفترض أنها من أكثر المناطق أمناً في النيجر، واختطاف مواطن أمريكي ثم مغادرة العاصمة دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية في ذلك الوقت.
من اختطف كيفن رايدوت؟
لم تعلن أي جماعة مسلحة في البداية مسؤوليتها رسمياً عن اختطاف رايدوت، لكن المعلومات التي ظهرت لاحقاً أشارت إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (EIS/ISSP) كان الجهة التي احتجزته.
وبحسب المعلومات الموثوقة، نُقل رايدوت خلال فترة أسره بين مناطق مختلفة في الساحل في منطقة الحدود الثلاثية ( مثلث الموت ) ، قبل أن يستقر احتجازه في منطقة مينكا . وظل مصيره مجهولاً لأكثر من تسعة أشهر، في وقت كانت فيه عدة جهات إقليمية ودولية تحاول الوصول إلى قناة يمكن من خلالها التفاوض على إطلاق سراحه.
لكن المرحلة الأخيرة من القضية هي التي تطرح الأسئلة الأكثر أهمية.
من قاد المفاوضات؟
بحسب المعلومات المتداولة، فإن المشير خليفة حفتر قاد عملية المفاوضات التي أفضت إلى إطلاق سراح كيفن رايدوت، في وساطة انتهت بتحريره بعد أكثر من تسعة أشهر من الاحتجاز.
وتشير هذه المعلومات إلى أن المفاوضات جرت مع الجهة التي كانت تحتجز الرهينة، أي تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وأن جهود حفتر أسهمت في التوصل إلى اتفاق أدى إلى إطلاق سراحه.
مما يجعل دور حفتر محورياً في القضية، ليس فقط باعتباره وسيطاً في عملية إطلاق سراح رهينة أمريكي، وإنما باعتباره الطرف الذي تمكن من فتح قناة تفاوض مع واحدة من أخطر التنظيمات المسلحة النشطة في منطقة الساحل.
من مينكا إلى بنغازي… المسار الأكثر غموضاً
وفق معلومات من مصادر مطلعة، أُطلق سراح رايدوت من قبل خاطفيه، ثم نُقل براً عبر الصحراء من منطقة الساحل باتجاه شرق ليبيا، قبل أن يصل إلى بنغازي يوم الخميس 13 أغسطس 2026.
ومن هناك، سُلّم إلى السلطات الأمريكية.
انتقل رايدوت انتقل من منطقة احتجازه في مينكا إلى بنغازي قبل تسليمه للأمريكيين،ما يعني أن عملية تحريره لم تقتصر على مفاوضات مع الخاطفين، بل تضمنت أيضاً ترتيبات لوجستية وأمنية معقدة عبر الحدود والصحراء.
لماذا بنغازي؟
السؤال الأساسي هنا هو: لماذا بنغازي؟
فالرهينة اختُطف في النيجر، واحتُجز، بحسب المعلومات المتداولة، في منطقة مينكا، بينما كانت محطته الأخيرة قبل تسليمه إلى الولايات المتحدة في شرق ليبيا.
وهذا المسار الجغرافي يفتح الباب أمام البحث في شبكات الاتصال الموجودة بين منطقة الساحل وجنوب ليبيا، ودور السلطات المحلية والجهات النافذة في شرق ليبيا في تأمين انتقال الرهينة ووصوله إلى بنغازي.
كما يطرح سؤالاً آخر أكثر أهمية: هل كانت بنغازي مجرد نقطة عبور وتسليم، أم أنها كانت جزءاً من ترتيبات الوساطة نفسها؟
تأكيد أمريكي للإفراج
الإفراج عن رايدوت أصبح مؤكداً رسمياً.
فقد أعلنت منظمة SIM International يوم الجمعة 14 أغسطس أن مبشرها أُفرج عنه بعد أكثر من تسعة أشهر من الأسر، مؤكدة أنه في حالة صحية جيدة وأصبح تحت رعاية السلطات الأمريكية.
كما أكدت رويترز إطلاق سراحه، فيما نقلت أسوشيتد برس عن المنظمة أن رايدوت بصحة جيدة وأنه يستعد للعودة إلى عائلته.
وجاء التأكيد الأبرز من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن أن كيفن رايدوت أصبح مجدداً «في الحيازة الأمريكية».
ووصف ترامب رايدوت بأنه «مبشر مسيحي رائع»، وقال إنه اختُطف على يد «إرهابيين جهاديين» في غرب أفريقيا، التي وصفها بأنها «بؤرة الإرهاب الإسلامي»، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت خلال العام الماضي هجمات دامية أكثر من أي مكان آخر في العالم.
وخاطب ترامب الرهينة الأمريكي قائلاً إن الولايات المتحدة تتطلع إلى الترحيب به في وطنه، مضيفاً: «سعيدون بالمساعدة!»
علاقة واشنطن بمعسكر شرق ليبيا
تأتي قضية رايدوت أيضاً في سياق تطور الاتصالات بين واشنطن ومعسكر شرق ليبيا.
ففي 29 يونيو 2026، زار صدام خليفة حفتر الولايات المتحدة، حيث التقى مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو في وزارة الخارجية الأمريكية، كما التقى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية.
ما يعتقد العديد من الخبراء أن لهذه الزيارة علاقة مباشرة بين مع مفاوضات إطلاق سراح رايدوت،
قضية تكشف أزمة الأمن في الساحل
لا تتوقف أهمية قضية كيفن رايدوت عند مصيره الشخصي أو عند هوية من توسط لإطلاق سراحه.
فالعملية بدأت باختطاف مواطن أمريكي في قلب العاصمة النيجرية نيامي، بالقرب من القصر الرئاسي، ثم استمرت أكثر من تسعة أشهر، وانتهت عبر مسار يبدو أنه امتد من أزواد إلى شرق ليبيا دون تدخل نيجري في عملية تحرير الرهينة .
وهذا يكشف حجم التعقيد الأمني الذي أصبحت عليه منطقة الساحل، حيث لم تعد الحدود الوطنية قادرة وحدها على تحديد نطاق تحرك الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والوسطاء.
كما أن القضية تطرح أسئلة صعبة على حكومات تحالف دول الساحل (AES)، ولا سيما مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي جعلت من استعادة السيادة وتعزيز القدرات الأمنية الوطنية محوراً أساسياً لخطابها السياسي.
فإذا كان اختطاف رايدوت قد وقع في واحدة من أكثر المناطق تحصينا و حساسية في العاصمة النيجرية، وتمكن خاطفوه من إخراجه من المدينة، ثم احتجازه لأشهر في منطقة أخرى من الساحل، فإن ذلك يدل على أن مشكلة الأمن لا تتعلق فقط بالسيطرة على المدن، وإنما أيضاً بالقدرة على مراقبة المساحات الحدودية والصحراوية الشاسعة.
