تشهد منطقة الساحل الإفريقي، خصوصًا في بوركينا فاسو وأزواد، تصعيدًا خطيرًا في وتيرة الاقتتال الداخلي بين تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (EI-S) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، في تطور يعكس تحول الصراع من مواجهة الجيوش المحلية إلى حرب مفتوحة بين أكبر تنظيمين جهاديين في المنطقة. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع انشقاقات قيادية بارزة، ومعارك دامية، وعمليات متبادلة للسيطرة على المواقع الاستراتيجية.
انشقاق قيادي بارز لصالح تنظيم الدولة
وفق مصادر ميدانية، أعلن القائد المعروف باسم “سعد”، وهو أحد القيادات البارزة في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والمسؤول عن منطقة في شرق بوركينا فاسو، انشقاقه رسميًا عن الجماعة ومبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. ولم يكن هذا التحول فرديًا، بل رافقه عدد من مقاتليه، في ما وُصف بأنه أكبر انشقاق جماعي من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نحو تنظيم الدولة في الساحل منذ سنوات.
ويشير هذا التطور إلى تحول مهم في ديناميكيات القوة داخل التنظيمات المسلحة في الساحل، حيث يسعى تنظيم الدولة إلى تعزيز صفوفه عبر استقطاب قيادات ميدانية تمتلك خبرة قتالية ومعرفة جغرافية بالمناطق التي تنشط فيها الجماعات المسلحة.
ويرى مراقبون أن هذه الانشقاقات تعكس أيضًا تصاعد التنافس الداخلي، خاصة في المناطق الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو، التي تشكل مركزًا رئيسيًا لعمليات التنظيمين.
هجوم أربيندا: تنظيم الدولة يعلن مقتل 18 من عناصر النصرة
في تصعيد جديد، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، في بيان صدر يوم أمس الأربعاء 11 فبراير 2026، مسؤوليته عن هجوم استهدف مواقع لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في شمال بوركينا فاسو، وتحديدًا في قريتي دجيكا وبيلهوت بمنطقة أربيندا.
ووفق البيان، أسفرت العملية عن مقتل ما لا يقل عن 18 عنصرًا من JNIM، إضافة إلى فرار بقية المقاتلين، والاستيلاء على 17 بندقية و6 دراجات نارية.
ويعكس هذا الهجوم قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات هجومية واسعة ضد منافسه المباشر، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقويض نفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في المناطق التي تعتبر تقليديًا ضمن نطاق سيطرتها.
هجوم مضاد في تين-أكوف: النصرة تعلن تدمير آلية مدرعة لتنظيم الدولة
في المقابل، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنفيذ هجوم مفاجئ ضد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل في منطقة تين-أكوف، التابعة لمقاطعة أودالان شمال بوركينا فاسو، يوم 23 يناير 2026.
ووفق بيان الجماعة، أسفرت العملية عن مقتل أربعة من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى الاستيلاء على أسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، وثلاث دراجات نارية، ومعدات مختلفة، فضلاً عن تدمير آلية مدرعة تابعة للتنظيم.
وتشير هذه العملية إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تزال تحتفظ بقدرات هجومية تمكنها من تنفيذ ضربات مؤثرة ضد خصمها، رغم الضغوط والانشقاقات التي تواجهها.
معارك دامية في تمبكتو وغاو: حرب استنزاف مستمرة
وفي أزواد ، تصاعدت المواجهات بين التنظيمين بشكل ملحوظ خلال ديسمبر 2025، خاصة في منطقتي تمبكتو وغاو، حيث تبادل الطرفان الهجمات والكمائن.
ففي 14 ديسمبر 2025، نصبت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كمينًا لمقاتلين من تنظيم الدولة في منطقة دورو، قرب تمبكتو، ما أسفر عن مقتل أحدهما وأسر الآخر بعد إصابته. ووفق المعلومات المتوفرة، قدم الأسير معلومات استخباراتية مهمة حول مواقع التنظيم وقادته، قبل أن يتم إعدامه لاحقًا.
لكن قبل ذلك بأيام، وتحديدًا في 7 ديسمبر 2025، شن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل هجومًا على مواقع تابعة لـ JNIM في نفس المنطقة، وتمكن من السيطرة على عدة مواقع، في ما اعتُبر تقدمًا ميدانيًا مؤقتًا للتنظيم.
وفي 8 ديسمبر 2025، اندلعت مواجهات جديدة في منطقة إنتيلالت، بمنطقة غاو، بين وحدة من تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل مع عناصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ما أسفر عن مقتل مقاتل من الجماعة ومقتل مدني، وإصابة عنصر من تنظيم الدولة. وبعد انسحاب مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM، قام عناصر التنظيم بإحراق منازل مدنية ونهب مواشٍ، في خطوة تعكس طبيعة الحرب الانتقامية بين الطرفين.
صراع على النفوذ: الأولوية لمواجهة الخصم الجهادي
تشير المعطيات الميدانية إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل ركز بشكل متزايد على مواجهة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في محاولة لإزاحتها من مناطق نفوذها، خصوصًا في أزواد وشرق بوركينا فاسو.
وقد تمكن التنظيم بالفعل من السيطرة على مناطق في ولايتي تمبكتو وغاو كانت سابقًا تحت سيطرة النصرة، قبل أن تنجح الأخيرة في استعادة بعضها بعد معارك عنيفة.
وفي المقابل، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنفيذ عمليات مضادة، من بينها السيطرة على مواقع لتنظيم الدولة وقتل عدد من عناصره والاستيلاء على أسلحة وعتاد.
انشقاقات متكررة تعزز تنظيم الدولة
إلى جانب المواجهات العسكرية، يشهد المشهد تصاعدًا في حالات الانشقاق من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نحو تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، شملت في بعض الحالات قادة ميدانيين وعناصر ذات خبرة.
ويرى خبراء أن هذه الانشقاقات قد تمنح تنظيم الدولة ميزة استراتيجية، إذ تتيح له التوسع بسرعة في مناطق جديدة دون الحاجة إلى خوض معارك طويلة.
كما تعكس هذه الظاهرة تصاعد التنافس الداخلي، حيث يسعى كل تنظيم إلى إثبات نفسه كالقوة الجهادية المهيمنة في المنطقة.
تداعيات خطيرة على مستقبل الأمن في الساحل
تشير هذه التطورات إلى أن منطقة الساحل تدخل مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بتصاعد المواجهة المباشرة بين التنظيمات المسلحة، في وقت تعاني فيه الجيوش المحلية من صعوبات في فرض السيطرة الكاملة على المناطق النائية.
ويرى محللون أن استمرار الاقتتال بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وربما إلى صعود تنظيم على حساب الآخر.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المشهد مفتوحًا على جميع السيناريوهات، وسط مخاوف من تصعيد أكبر قد يزيد من تعقيد الأزمة الأمنية في الساحل خلال الفترة المقبلة.
