دخلت أزمة تأمين قوافل الوقود في مالي مرحلة جديدة، بعدما أعلن سائقو صهاريج نقل المحروقات تعليق نشاطهم إلى أجل غير مسمى، احتجاجًا على ما وصفوه بتأخر السلطات في التعامل مع تداعيات الهجوم الذي استهدف قافلة على محور كاي–ديبولي في 29 يناير 2026.
القرار جاء عقب اجتماع عُقد في باماكو يوم 9 فبراير، حيث أكد السائقون أنهم لن يستأنفوا العمل ما لم يتم العثور على جثامين زملائهم الذين قُتلوا في الهجوم وجمعها ودفنها “بما يليق بكرامة الإنسان”. ووصف البيان الصادر عنهم الخطوة بأنها “مسألة احترام وتضامن وكرامة إنسانية”.
ضغط نقابي وتصعيد إقليمي
السائقون لم يكتفوا بإعلان الإضراب، بل دعوا نظراءهم في دول الجوار، خصوصًا في ساحل العاج والسنغال، إلى اتخاذ مواقف مماثلة دعمًا لما وصفوه بـ“وحدة الصف المهني” في مواجهة المخاطر المتزايدة على الطرق الإقليمية.
هذا التصعيد يعكس حجم القلق داخل قطاع النقل، الذي بات يشعر بأنه في مواجهة مباشرة مع التهديدات المسلحة دون ضمانات حماية كافية، في وقت يشكل فيه نقل الوقود ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي في البلاد.
انتقادات للإعلام الرسمي
وفي بيانهم، وجّه السائقون انتقادات لوسائل الإعلام الوطنية، معتبرين أنها لم تحضر اجتماعاتهم ولم تنقل مطالبهم للرأي العام. وأكدوا أن المعلومات باتت تنتشر عبر مجموعات “واتساب” ومن خلال ناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، في ظل ما وصفوه بـ“صمت إعلامي”.
هذا المعطى يعكس أزمة ثقة أوسع، لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى قنوات التواصل بين المجتمع والسلطات.
تطور جديد.. دفن الضحايا
وفي تطور لاحق، أفادت مصادر محلية بأن جثامين السائقين الذين قُتلوا في الهجوم أُعيدت صباح 12 فبراير إلى كاي، حيث جرى دفنهم رسميًا.
الخطوة قد تساهم في تهدئة جزئية للأجواء، لكنها لا تعالج جوهر الأزمة المرتبطة بتأمين الطرق وحماية العاملين في القطاعات الحيوية.
اختبار أمني واقتصادي
الهجوم الذي تبنّته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أسفر عن مقتل 15 سائقًا وجنديين، إضافة إلى تدمير 4 آليات عسكرية وإحراق نحو 50 صهريج وقود. الأخطر أن جثامين الضحايا بقيت في مكان الحادث لنحو 12 يومًا، قبل أن تتحرك السلطات تحت ضغط التهديد بتوقف شامل عن العمل.
ويرى مراقبون أن معالجة تداعيات الحادثة تتطلب أكثر من استجابة ظرفية، بل خطة شاملة لتعزيز المرافقة الأمنية للقوافل، وتحسين التنسيق الاستخباراتي، وإعادة بناء الثقة مع الفاعلين الاقتصاديين.
في بلد يواجه تحديات أمنية معقدة، تبدو حماية الطرق الدولية مسألة سيادة قبل أن تكون مجرد إجراء أمني. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل تتحول هذه الأزمة إلى نقطة مراجعة حقيقية، أم تبقى حلقة جديدة في سلسلة أحداث مشابهة؟
