تحقيق مشترك بين Jeune Afrique وBellingcat وThe Sentry، بمشاركة الصحفي وليد أغ مناني، يرصد خلال ثلاث سنوات تصاعد الحرب الجوية في مالي، ويوثق عشرات الضربات التي أوقعت قتلى مدنيين، ويفتح أسئلة حول تحديد الأهداف وسلسلة القيادة والمسؤولية عن القرارات العسكرية.
كشفت سلسلة من التحقيقات التي أُنجزت خلال عدة أشهر عن الوجه الأقل ظهوراً للحرب الجوية في مالي، حيث أصبحت المسيّرات والطائرات الروسية والتركية إحدى أهم أدوات العمليات العسكرية التي تنفذها القوات المسلحة المالية وحلفاؤها الروس من الفيلق الإفريقي. التحقيق الرئيسي الذي نشرته Jeune Afrique بالتعاون مع Bellingcat وبمشاركة The Sentry، اعتمد على تحليل نحو 60 ضربة جوية وانفجاراً، وإعادة بناء 12 ضربة بصورة مستقلة اعتماداً على صور الأقمار الصناعية، ومقاطع الفيديو، وبقايا الذخائر، وتحديد المواقع الجغرافية، وشهادات السكان والناجين.
أماسراكاض… ضربة قتلت 13 شخصاً بينهم أطفال
من أكثر الحالات التي ركز عليها التحقيق ضربة وقعت في قرية أماسراكاض شمال شرقي غاو، في 17 مارس 2024.
كان السكان نائمين عندما سقطت الضربة الأولى بالقرب من المنازل. اشتعلت النيران في سيارة، وبدأ السكان في محاولة معرفة ما حدث. ومع حالة الذعر، لجأت عائلتان إلى مأوى، فيما قامت النساء بجمع الأطفال والاحتماء بهم.
بعد ذلك وقعت ضربة ثانية على المكان الذي لجأت إليه النساء والأطفال.
بحسب التحقيق، قتل 13 شخصاً على الفور، بينهم عدة أطفال، بينما أصيب ثمانية آخرون ونقلوا إلى مراكز صحية. إحدى العائلات فقدت سبعة من أفرادها، بينما عثر أحد الناجين، محمد، على جثث ستة من أقاربه، بينهم شقيقته الصغرى وأبناء شقيقته.
وقد تمكن المحققون من استخدام مقاطع صورها السكان لتأكيد رواية الناجين وتحديد موقع الضربة جغرافياً.
لكن الجيش المالي أصدر بعد ساعات بياناً أعلن فيه أن العملية «سمحت بتحييد عدد من الإرهابيين وتدمير كمية مهمة من المعدات الحربية»، من دون الإشارة في البيان إلى الضحايا المدنيين الذين وثقهم التحقيق.
ويؤكد تقرير The Sentry أن منظمة العفو الدولية وثقت بدورها ضربتين نفذهما الجيش المالي في أماسراكاض في مارس 2024، وأسفرتا عن مقتل 13 مدنياً على الأقل، بينهم سبعة أطفال.
146 قتيلاً مدنياً في 12 ضربة أعيد بناؤها
من بين نحو 60 ضربة درسها فريق التحقيق، تم اختيار 12 ضربة لإعادة بنائها بصورة مستقلة وفق الأدلة المتاحة في المصادر المفتوحة.
واعتمد المحققون على:
- صور الأقمار الصناعية.
- مقاطع الفيديو التي نشرها السكان.
- الصور التي بثها التلفزيون الرسمي المالي.
- بقايا الذخائر.
- تحديد المواقع الجغرافية.
- شهادات الشهود والناجين.
- مقارنة الرواية الرسمية بالأدلة الموجودة على الأرض.
وفي هذه الحالات الـ12 وحدها، أحصى التحقيق 146 قتيلاً مدنياً.
أما عند توسيع نطاق الدراسة بالاعتماد على بيانات ACLED، فقد أورد التحقيق أن الفترة الممتدة من سبتمبر 2023 إلى سبتمبر 2026 شهدت 199 ضربة استهدفت مدنيين، وأسفرت عن 731 قتيلاً مدنياً.
كما يقدم التحقيق خريطة شاملة تشير إلى 940 ضربة جوية و3,295 قتيلاً في مالي خلال ثلاث سنوات، مع التفريق بين الضربات التي تم التحقق منها بصورة مستقلة وتلك المسجلة في قاعدة بيانات ACLED.
تصاعد الاعتماد على المسيّرات منذ 2023
منذ وصول المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا إلى السلطة في 2020، أصبحت المسيّرات أداة مركزية في العمليات العسكرية المالية.
وتسارع استخدامها منذ 2023 مع وصول المسيّرات التركية Bayraktar TB2 وAkinci، إلى جانب المسيّرات الروسية، بما فيها الطائرات الرباعية المروحية الانتحارية ومسيّرات Geran-2.
ويضيف تقرير The Sentry أن مسيّرات TB2 التركية وصلت إلى مالي في ديسمبر 2022، ثم وصلت Akinci في 2024، بينما زودت روسيا قوات Wagner ثم Africa Corps بالطائرات والمسيّرات منذ 2022.
وبذلك أصبحت مالي تعتمد على مصدرين رئيسيين للسلاح الجوي: تركيا وروسيا.
لكن المفارقة، بحسب The Sentry، أن تركيا وروسيا منافستان في سوق السلاح، وليستا شريكتين عسكريتين مباشرتين في مالي. القوات المالية تشغل المسيّرات التركية بمساعدة أفراد أتراك، بينما يشغل Africa Corps الطائرات الروسية التي حصل عليها عبر الشراكة الروسية مع باماكو.
صفقة الـ210 مليون دولار لمسيّرات Akinci
يكشف تقرير The Sentry جانباً مالياً مهماً من منظومة المسيّرات.
ففي 15 أغسطس 2024 وقعت الحكومة المالية عقداً بقيمة 210 ملايين دولار مع شركة Baykar التركية للحصول على ست مسيّرات قتالية من طراز Akinci.
لكن المفاجأة، بحسب الوثائق التي راجعها The Sentry، أن العقد لم يوقعه وزير الدفاع المالي، وإنما العقيد Modibo Koné، المدير العام لوكالة الأمن الوطني المالية ANSE، وهي وكالة ترتبط مباشرة بالرئيس أسيمي غويتا وليس بالجيش.
ويشير التقرير إلى أن ميزانية ANSE لعام 2024 كانت حوالي 30 مليون دولار فقط، أي ما يعادل نحو سُبع قيمة العقد، وأن The Sentry لم يتمكن حتى تاريخ نشر التقرير من العثور على حساب عام يوضح مصدر الـ210 ملايين دولار التي دفعت مقابل الصفقة.
ويعتبر التقرير أن مرور هذه الصفقة عبر جهاز أمني مرتبط مباشرة بالرئاسة يثير أسئلة حول الشفافية والرقابة المالية والمؤسساتية.
من يختار الهدف؟ ومن يضغط على زر الإطلاق؟
هذه إحدى أهم النقاط التي يركز عليها التحقيق.
فوفق المعطيات التي جمعها The Sentry، فإن المسيّرات التركية يتم تشغيلها من طرف طواقم مالية، مع وجود دعم وتدريب تركي، بينما تشير الأدلة التي جمعها التحقيق إلى أن الموافقات على الضربات الجوية تمر عبر قيادة روسية.
وهذا يعني، وفق السيناريو الذي يطرحه التحقيق، إمكانية أن يقود طاقم مالي مسيّرة تركية، بينما تكون عملية اختيار الهدف والموافقة عليه قد مرت عبر هيكل قيادة روسي.
وتقول Justyna Gudzowska من The Sentry إن تعقيد سلسلة القيادة يجعل تحديد المسؤولية أكثر صعوبة. وبحسب تحقيق Jeune Afrique، يرد مثال مماثل: طاقم مالي يمكن أن يقود مسيّرة هجومية بمساعدة مستشار تركي، بينما يكون الهدف قد اختير واعتمد من هيكل قيادة روسي.
ويضيف The Sentry أن شهادات حصل عليها خلال التحقيق تصف وضعاً تعمل فيه المسيّرات التركية على مراقبة الهدف، بينما تنفذ الطائرات الروسية الضربة في بعض الحالات.
مشكلة تحديد الأهداف
يطرح التحقيق تساؤلات حول آليات Positive Identification (PID)، أي التأكد من أن الهدف العسكري المشروع، وCollateral Damage Estimation (CDE)، أي تقدير الأضرار المحتملة على المدنيين.
ويذكر التحقيق أن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر بين المدنيين.
لكن الباحث Yvan Guichaoua يتحدث عن ظاهرة يسميها «الذنب بسبب الموقع»، حيث يمكن أن يصبح وجود الشخص في منطقة يعتقد أنها مرتبطة بجماعة مسلحة دليلاً ضمنياً على ارتباطه بها.
كما يقول Héni Nsaibia من ACLED إن القوات المالية وشركاءها يبدو أنهم يتعاملون، وفق تحليله، مع المدنيين الموجودين في مناطق نفوذ الجماعات المسلحة باعتبارهم متواطئين معها، وهو ما قد يؤدي إلى ما وصفه التحقيق بـالعقاب الجماعي.
ربع العمليات تقريباً يسفر عن ضحايا مدنيين
وفق حسابات ACLED التي أوردها التحقيق، فإن 27% من العمليات الهجومية للجيش المالي وشركائه الروس تنفذ عبر ضربات وقصف جوي.
ويقدر التحقيق أن حوالي ربع هذه العمليات تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين.
وتظهر المقارنة التي أوردها التحقيق ارتفاعاً كبيراً في الخسائر المدنية:
نوفمبر 2019 – نوفمبر 2022:
- 7 ضربات.
- 73 قتيلاً مدنياً.
سبتمبر 2023 – سبتمبر 2026:
- 199 ضربة.
- 731 قتيلاً مدنياً.
ووفق التحقيق، ارتبطت الفترة الثانية بتصاعد كبير في استخدام القوة الجوية.
ضربات تستهدف النشاط المدني
لا تتحدث التحقيقات فقط عن ضربات أصابت المدنيين بصورة عرضية.
فهي توثق ضربات طالت مركبات وأنشطة تجارية، ونقل الوقود، ونقل المواشي، إضافة إلى منشآت صحية.
ويشير التحقيق إلى أن وجود مركبة نقل في منطقة تنشط فيها جماعة مسلحة قد يكون اعتُبر أحياناً مؤشراً على ارتباطها بالجماعات المسلحة أو تقديم الدعم اللوجستي لها.
ويقدم التحقيق مثالاً آخر من قرية زويرا في يوليو 2025، حيث وثقت عملية إعادة بناء ضربة جوية أدت إلى مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين و15 عاماً، إضافة إلى إصابة شخص آخر اضطر إلى بتر ساقيه.
من المسؤول عن الضحايا؟
تزداد المسألة تعقيداً بسبب تعدد الأطراف المشاركة في الحرب الجوية.
فالجيش المالي يشغل المسيّرات التركية، وتركيا تقدم التدريب والدعم، بينما يعمل الفيلق الإفريقي بالطائرات الروسية، وهناك حالات تشير التحقيقات فيها إلى مشاركة معلومات أو موافقات روسية في عملية الاستهداف.
ويصف The Sentry هذه الحالة بأنها سلسلة قيادة تفصل بين اتخاذ القرار والتنفيذ.
وفي خاتمة التقرير، يقول إن كل طرف يحتل موقعاً محدداً: Baykar تصنع المسيّرات ولا تشغلها، و المخابرات المالية ANSE تشتريها، والقوات الجوية المالية تشغلها، بينما تشير الأدلة إلى أن قادة روساً يوافقون على بعض الضربات. ويعتبر التقرير أن هذا التوزيع المجزأ للمسؤوليات يجعل المحاسبة أكثر صعوبة.
الضربة على كيرنيا
لا تقتصر الحالات التي أوردها التحقيق على أماسراكاض.
فوفق The Sentry، وثقت هيومن رايتس ووتش ضربات نفذتها طائرة Su-24 تابعة للفيلق الإفريقي في منطقة كيرنيا بولاية موبتي في يونيو 2026، وأسفرت عن مقتل ثمانية مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال.
وفي المقابل، وصف الفيلق الإفريقي العملية بأنها استهدفت قادة ميدانيين لجماعة إرهابية.
وهذه المقارنة بين الرواية الرسمية والأدلة والشهادات المدنية تمثل أحد المحاور الأساسية للتحقيق.
القنابل العنقودية
تتضمن نسخة Jeune Afrique/Bellingcat من التحقيق نقطة أخرى بالغة الأهمية، إذ تقول إن طائرة SU-24M تابعة للفيلق الإفريقي استخدمت في مايو 2026، للمرة الأولى، قنابل عنقودية، وتطرح تساؤلات حول الجهة التي اتخذت قرار استخدامها، في ظل تعدد مستويات القيادة.
ويشدد التحقيق على أن تعدد الأطراف لا يعني اختفاء المسؤولية، بل يجعل تحديدها أكثر تعقيداً.
ماذا تقول السلطات المالية؟
يقول تحقيق Jeune Afrique إن فريقه تواصل مع الجيش المالي وقدم له النتائج التي توصل إليها، لكنه لم يحصل عند النشر على رد جوهري.
ويشير التحقيق إلى أن السلطات المالية لا تعترف عادة بشكل رسمي بسقوط المدنيين في عمليات القصف، رغم أن بعض الضباط يعترفون في أحاديث خاصة بوقوع «أخطاء».
ويؤكد أحد ضباط القوات الجوية، بحسب التحقيق، أن الجيش يقوم بمراقبة واسعة قبل الضرب، وأن المسيّرات تستخدم في كثير من الأحيان للمراقبة وتحديد المناطق التي يجب متابعتها، وليس بالضرورة لتنفيذ الضربات.
أثر الضربات على سكان أزواد
ينقل التحقيق عن تيلا اغ زيني، الأمين العام للتجمع من أجل الدفاع عن حقوق الشعب الأزوادي، أن المسيّرات غيرت طبيعة الحرب بالنسبة للسكان.
ويقول إن المدنيين أصبحوا يعيشون، وفق شهادته، تحت تهديد مستمر، خصوصاً عندما يتجمع الناس في الأعراس والأسواق والآبار.
كما يشير إلى أن آثار الحرب لا تقتصر على القتلى والجرحى، بل تمتد إلى مراكز الصحة والماشية ونقاط المياه والحقول والغابات، بما يساهم في دفع السكان إلى النزوح نحو المناطق الحدودية.
محمد… من ضحية إلى مقاتل في جبهة تحرير أزواد FLA
بعد مقتل أفراد من عائلته في أماسراكاض، يقول محمد إنه التحق بصفوف جبهة تحرير أزواد FLA.
ويقول إن لديه هدفين: الانتقام لمن قتل أفراد عائلته، والسعي إلى العيش بحرية وكرامة.
ووفق التحقيق، يريد محمد تلقي تدريب على قيادة المسيّرات والانضمام إلى ما يصفه التقرير بـ«كتائب المسيّرات» التي أنشأتها مجموعته.
وهنا يظهر أحد أخطر أبعاد الحرب الجوية: فالضربة التي تقتل أفراداً من عائلة أو مجتمع قد لا تنتهي آثارها عند عدد الضحايا، بل يمكن أن تؤثر في مسار النزاع نفسه.
الحرب الجوية تتحول إلى حرب مسيّرات متبادلة
لا تقتصر تكنولوجيا المسيّرات على الجيش المالي و المرتزقة الروس.
فبحسب التحقيق، بدأت جبهة تحرير أزواد FLA في تعديل المسيّرات التجارية بمساعدة مدربين أوكرانيين، وتحويلها إلى منصات تحمل شحنات متفجرة.
ويذكر التحقيق أن هذه المسيّرات استخدمت ضد القوات الروسية خلال معركة تينزواتين في 25–27 يوليو 2024.
كما استخدمت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM مسيّرات معدلة لاستهداف الدوريات والقواعد، ويذكر التحقيق أنها قتلت بواسطة المسيّرات عدداً من عناصر الفيلق الإفريقي في قاعدة سيفاري خلال هجوم أبريل 2026.
المسيّرة كسلاح وكأداة دعائية
يرصد التحقيق أيضاً البعد الإعلامي للمسيّرات.
فالتلفزيون الوطني المالي ORTM يعرض بشكل متكرر صوراً لضربات المسيّرات خلال نشرته المسائية، لتدعيم الرواية الرسمية حول العمليات العسكرية.
ويقول الباحث Yvan Guichaoua إن المسيّرات أصبحت بالنسبة للسلطات وسيلة لإظهار استعادة السيادة والقوة العسكرية والحداثة، في وقت يواجه فيه الجيش المالي هجمات جهادية متكررة.
أما The Sentry فيشير إلى أن الشركات الروسية نفسها تنشر أحياناً صوراً لعمليات الفيلق الإفريقي. ويعطي مثالاً على شركة ZALA Aero، التابعة لمجموعة Kalashnikov، التي نشرت صوراً ومواد حول استخدام ذخيرة Lancet في مالي، بما في ذلك مقاطع تظهر عملية الاستطلاع ثم الضربة وتصوير نتائجها.
ماذا يقول The Sentry عن المحاسبة؟
لا يكتفي تقرير The Sentry بتوثيق الوقائع، بل يقدم توصيات إلى حكومات وجهات دولية.
ومن بين توصياته أن تقوم سلطات الترخيص في أوكرانيا وكندا ودول أخرى بمراجعة تراخيص تصدير المكونات المستخدمة في الطائرات المنتجة في تركيا والتي تعمل في مالي، في ضوء الأدلة المتعلقة بسقوط المدنيين.
كما يدعو سلطات العقوبات في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا إلى النظر في فرض عقوبات على Modibo Koné، المدير العام لـANSE، على خلفية دوره في صفقة Akinci، مع الإشارة إلى توصيات سابقة لـThe Sentry بشأنه.
ويوصي التقرير كذلك الحكومات والجهات المانحة التي تدعم جهود المحاسبة في الساحل بتمويل توثيق مستقل وحفظ الأدلة المتعلقة بضحايا الضربات الجوية في مالي وفق معايير تسمح باستخدامها في إجراءات قضائية مستقبلية.
ويشير التقرير في هذا السياق إلى أن انسحاب دول الساحل من المحكمة الجنائية الدولية لا يعني، وفق الموقف القانوني الذي يستشهد به، انتهاء اختصاص المحكمة بشأن الجرائم التي ارتكبت قبل دخول الانسحاب حيز التنفيذ، مستنداً إلى قرار غرفة الاستئناف للمحكمة الجنائية الدولية في أبريل 2026.
الخلاصة
تكشف هذه التحقيقات أن الحرب الجوية في مالي دخلت مرحلة جديدة، أصبحت فيها المسيّرات التركية والروسية والطائرات الحربية جزءاً أساسياً من العمليات العسكرية، لكن تعدد الأطراف المشاركة خلق أيضاً سلسلة قيادة معقدة يصعب معها تحديد المسؤولية بصورة مباشرة.
التحقيق الذي أعدته Jeune Afrique وBellingcat بمشاركة The Sentry، وبمشاركة Matteo Maillard وWalid Ag Menani، لا يعتمد فقط على روايات الشهود، بل يجمع بين الصور الفضائية، والفيديوهات، وبقايا الذخائر، وتحديد المواقع الجغرافية، وقواعد بيانات النزاعات، والشهادات الميدانية والوثائق العسكرية والتجارية.
وتبرز من خلال هذه الأدلة أرقام كبيرة للضحايا المدنيين، أبرزها 146 قتيلاً في 12 ضربة أعيد بناؤها بشكل مستقل، مقابل 731 قتيلاً مدنياً في 199 ضربة ضمن بيانات ACLED التي أوردها التحقيق للفترة من سبتمبر 2023 إلى سبتمبر 2026.
وفي الوقت نفسه، يضيف تقرير The Sentry بعداً آخر: فالمسألة لا تتعلق فقط بالسلاح المستخدم، وإنما أيضاً بمن يشتريه، ومن يموله، ومن يشغله، ومن يحدد الهدف، ومن يوافق على الضربة، ومن يتحمل المسؤولية عندما يسقط المدنيون. وتخلص المؤسسة إلى أن تجزئة هذه الأدوار بين باماكو وتركيا وروسيا وAfrica Corps تجعل المحاسبة أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، أدى انتشار هذه التكنولوجيا إلى سباق مسيّرات؛ فكما طورت القوات المالية والفيلق الافريقي قدراتها، طورت FLA وJNIM بدورها وسائل مسيّرات منخفضة التكلفة، ما يجعل الحرب الجوية مرشحة لأن تصبح أحد أهم ميادين الصراع في مالي وأزواد خلال المرحلة المقبلة.
المصادر الأساسية: Jeune Afrique، وتحقيق The Sentry و Bellingcat.
