ردود فعل غاضبة في أزواد على دعوة الأمم المتحدة للتحقيق في مقتل جنود ماليين خلال معركة تابريشات، وسط اتهامات للمنظمة الدولية بازدواجية المعايير وتجاهل ملفات الانتهاكات ضد المدنيين
أثار بيان مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الصادر في 23 يوليو 2026، بشأن التقارير التي تتحدث عن تعذيب وقتل جنود ماليين بعد استسلامهم خلال معارك 18 يوليو في منطقة غاو، موجة واسعة من ردود الفعل الغاضبة في أزواد.
ودعت الأمم المتحدة 23 يوليو 2026، إلى إجراء تحقيق «شامل ومستقل» في ملابسات مقتل عشرات الجنود الماليين، مشيرة إلى أن مقاطع مصورة متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي تبدو، بحسب تقييمها الأولي، وكأنها تُظهر إطلاق النار على جنود بعد استسلامهم. وأكدت أن قتل أو تعذيب أو إساءة معاملة أشخاص أصبحوا خارج القتال يمكن أن يشكل جريمة حرب، وأن المسؤولين عن ذلك يجب أن يخضعوا للمساءلة.
من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على التحقيق في أي جريمة حرب، أياً كان مرتكبها وأياً كان الضحايا. فقتل الأسرى أو الأشخاص الذين استسلموا، إن ثبت، انتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني، ويجب محاسبة المسؤولين عنه.
لكن ردود الفعل الأزوادية لا تتمحور حول رفض التحقيق، بل حول سؤال أكثر عمقاً: لماذا تتحرك الأمم المتحدة بهذه السرعة والوضوح عندما يتعلق الأمر بجنود ماليين، بينما ظلّت ملفات قتل آلاف المدنيين في أزواد ومناطق أخرى من مالي دون آلية تحقيق مماثلة أو متابعة دولية بنفس القوة؟
«الجيش المالي لم يعترف أصلاً بوجود هؤلاء القتلى»
من أبرز الانتقادات التي ظهرت في أوساط أزوادية أن الجيش المالي لم يعلن رسمياً، عن مقتل عشرات الجنود في الظروف التي تتحدث عنها الأمم المتحدة، بل قدم رواية مختلفة عن المعركة، تحدث فيها عن صدّ هجوم و«تحييد» عدد من المسلحين.
وهنا يطرح ناشطون وطلاب ومتابعون للشأن الأزوادي سؤالاً لافتاً: كيف يمكن لجهة دولية أن تفتح تحقيقاً في وقائع تنفيها أو لا تعترف بها المؤسسة العسكرية المعنية، بينما لم تُفتح تحقيقات مماثلة في ملفات موثقة بشكل واسع تتعلق بقتل آلاف المدنيين؟
بالنسبة إليهم، فإن المشكلة ليست في التحقيق في مقتل الجنود، بل في أن التحقيق الدولي يبدو، انتقائياً، ويعطي انطباعاً بأن حياة العسكري المالي تحظى باهتمام أسرع من حياة المدني الأزوادي.
منتدى أزواد السياسي: «لماذا هذا الصمت عن المدنيين؟»
في بيان صدر في 23 يوليو، عبّر منتدى أزواد السياسي عن استنكاره لدعوة الأمم المتحدة إلى التحقيق في نتائج معارك أنفيف وتابريشات، متسائلاً عن سبب عدم اتخاذ موقف مماثل بشأن عمليات قتل وتهجير وحرق وانتهاكات واسعة ضد المدنيين الأزواديين.
وأكد المنتدى أن الجيش الأزوادي، من وجهة نظره، خاض معاركه في إطار الدفاع عن النفس، وأنه لا يمكن تحميله مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو أطراف أخرى من دون أدلة وتحقيق مستقل يحدد المسؤوليات.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يعكس جوهر الاعتراض المحلي: لا ينبغي أن تتحول مسؤولية طرف محتمل إلى إدانة جماعية لقوة أو مكوّن بأكمله، كما لا ينبغي أن تكون هوية الضحية أو انتماؤها السياسي سبباً في اختلاف مستوى الاهتمام الدولي بقضيتها.
من مورا إلى أزواد: ذاكرة الإفلات من العقاب
يستند المنتقدون إلى سجل طويل من الانتهاكات التي وثقتها منظمات دولية وهيئات تابعة للأمم المتحدة.
ففي مورا، خلص تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2023 إلى وجود أسباب قوية للاعتقاد بأن أكثر من 500 شخص قُتلوا خلال عملية عسكرية استمرت خمسة أيام في مارس 2022، وأن الغالبية العظمى منهم أُعدموا بإجراءات موجزة. كما وثق التقرير اتهامات بارتكاب أعمال عنف جنسي وتعذيب، وربط العملية بالقوات المسلحة المالية وأفراد عسكريين أجانب.
وتقول منظمات حقوقية إن هذا الملف، رغم خطورته، لم يؤدِّ إلى محاسبة واضحة وفعالة للمسؤولين عنه. كما وثقت تقارير أخرى عمليات قتل واختفاء قسري وانتهاكات ضد المدنيين في وسط وأزواد، بما في ذلك اتهامات موجهة إلى القوات المالية وحلفائها الأجانب.
ومن هنا، يرى منتقدو الأمم المتحدة أن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب التحقيق في مقتل الجنود الماليين؟ بل: لماذا لا تُستخدم الآلية نفسها للتحقيق في كل الجرائم، بما فيها تلك التي أودت بحياة مدنيين عزل؟
آلاف الضحايا… ولكن أين التحقيق الدولي؟
تتحدث منظمات محلية أزوادية عن آلاف المدنيين الذين قُتلوا خلال السنوات الماضية في مناطق واسعة من أزواد وماسينا، وتحمّل القوات المالية وحلفاءها الروس مسؤولية جزء كبير من هذه الانتهاكات.
وبغض النظر عن اختلاف الأرقام والتقديرات بين المنظمات والمصادر، فإن وجود انتهاكات واسعة ضد المدنيين ليس مجرد ادعاء صادر عن جهة واحدة. فقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية حالات قتل جماعي وإعدامات خارج نطاق القضاء واختفاءات قسرية وانتهاكات أخرى في ازواد و ماسينا.
كما استمرت تقارير حديثة في الحديث عن انتهاكات منسوبة إلى القوات المالية وعناصر روس، بعد انتقال الدور الروسي في مالي من مجموعة فاغنر إلى الفيلق الإفريقي، مع اتهامات جديدة بقتل مدنيين واستهداف مجتمعات محلية في أزواد وماسينا خصوصا الطوارق و العرب و الفلان .
لكن بالنسبة إلى كثير من الأزواديين، فإن المشكلة تكمن في أن هذه الملفات، رغم كثرتها، لم تُنتج حتى الآن مساراً دولياً واضحاً ومستمراً يضمن التحقيق والمحاسبة.
«لا يمكن أن تكون هناك ضحية بدرجتين»
الردود المحلية على بيان الأمم المتحدة تلتقي عند نقطة أساسية: القانون الدولي يجب أن يحمي الجميع، لا أن يختار ضحاياه وفقاً لهويتهم أو موقعهم في الصراع.
إذا كان قتل جندي بعد استسلامه جريمة حرب، فإن قتل مدني أعزل أو طفل أو امرأة أو عامل إغاثة جريمة كذلك. وإذا كان تعذيب أسير يستوجب التحقيق، فإن التعذيب داخل مراكز الاحتجاز السرية يستوجب التحقيق أيضاً. وإذا كانت مقاطع فيديو على شبكات التواصل كافية لإطلاق دعوة إلى تحقيق مستقل، فإن آلاف الشهادات والتقارير والصور والوثائق التي قدمتها منظمات حقوقية حول جرائم ضد المدنيين يجب ألا تُهمَل.
المشكلة، إذن، ليست في أن الأمم المتحدة اهتمت بمقتل الجنود الماليين، بل في أن هذا الاهتمام أعاد إلى الواجهة شعوراً واسعاً لدى سكان أزواد بأن المجتمع الدولي لا يتعامل مع جميع الضحايا بالجدية نفسها.
العدالة الانتقائية تُفقد العدالة معناها
من الصعب بناء الثقة في المؤسسات الدولية إذا شعر أحد أطراف النزاع بأن جرائمه المزعومة تُتابع بسرعة، بينما تُترك الجرائم المرتكبة ضده في ملفات مؤجلة أو منسية.
ولا يمكن أن تكون حماية حقوق الإنسان انتقائية. فالضحايا لا يفقدون حقهم في العدالة لأنهم ينتمون إلى مجتمع مهمّش، أو لأنهم يعيشون في منطقة متنازع عليها، أو لأن قضيتهم لا تتناسب مع الرواية السياسية السائدة.
فالعدالة لا تكون عدالة إذا كانت سريعة لضحايا، وبطيئة أو صامتة تجاه ضحايا آخرين.
وإذا كانت الأمم المتحدة تريد فعلاً استعادة ثقة سكان أزواد، فإن عليها أن تثبت أن التحقيق في مقتل الجنود الماليين ليس استثناءً، وأن حياة المدني الأزوادي ليست أقل قيمة من حياة أي جندي، أياً كان الطرف الذي ينتمي إليه.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من هو الضحية الذي يستحق التحقيق؟
بل ينبغي أن يكون:
من ارتكب الجريمة؟ ومن قتل؟ ومن عذّب؟ ومن أمر؟ ومن تستر؟
وهذه الأسئلة يجب أن تُطرح على الجميع، دون استثناء.

تُظهر الصورة مدنياً قُتل في 23 يونيو 2026 على يد الجيش المالي والفيلق الروسي الأفريقي في زرهو (تمبكتو).
وقد دُنِّس جثمان الضحية وشُوِّه، ورُتِّبت أجزاؤه من قبل النازيين الروس لتشكيل الصليب المعقوف النازي.
