أعلنت جبهة التحرير الوطني (FPL) في النيجر عن انضمام آلاف الشباب من مختلف ولايات البلاد إلى صفوفها، في خطوة تقول الجبهة إنها تأتي في إطار تعبئة واسعة تهدف إلى مواجهة الحكم العسكري في نيامي والمطالبة بعودة النظام الدستوري.
ونشرت الجبهة يوم الجمعة 11 سبتمبر مقاطع مصورة ورسائل موجهة إلى سكان مختلف ولايات النيجر، مستخدمة عدداً من اللغات الوطنية، بينها التماشق والعربية والزرما والفلانية والهوسا والتبو، في محاولة لتوسيع نطاق التعبئة والوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع النيجري.
وكانت جبهة التحرير الوطنية FPL قد أعلنت في 25 يوليو 2026 عن تعبئة عامة، بعد الإفراج في 22 يونيو عن زعيمها محمود صلاح من قبل سلطات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر.
وتقول الجبهة إن هذه التعبئة تهدف إلى «إعادة الحرية والديمقراطية» إلى النيجر، كما تضع الإفراج عن الرئيس المنتخب محمد بازوم ضمن أهدافها الرئيسية، وتعتبره الرئيس الشرعي للبلاد الذي وصل إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية قبل أن يطيح به الانقلاب العسكري في يوليو 2023.
من حركة محدودة إلى محاولة بناء قوة مسلحة
خلال العامين الماضيين، بقيت الحركات المناهضة للسلطة العسكرية والموالية لبازوم محدودة التأثير، ولم تتمكن من بناء قوة عسكرية أو سياسية قادرة على تشكيل تهديد كبير للمجلس العسكري في نيامي.
لكن وضع جبهة التحرير الوطني بدأ يتغير خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد الإفراج عن قائدها في ليبيا. وتسعى الجبهة الآن إلى توسيع صفوفها وبناء قاعدة شعبية ومسلحة أكبر، مع تركيز خاص على المناطق الشمالية والشرقية من النيجر.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب واسعة للتحالفات، وتزايداً في ارتباط الصراعات المحلية بالتنافس الإقليمي بين القوى الموجودة في ليبيا والساحل.
ليبيا.. دور متزايد في الصراع داخل النيجر
ويرتبط صعود FPL أيضاً بالتطورات في ليبيا. ووفق تقرير نشرته مجلة Jeune Afrique، أصبحت ليبيا تلعب دوراً متزايداً في إعادة تشكيل المشهد الأمني في منطقة الساحل، فيما بدأ التنافس بين سلطات طرابلس ومعسكر خليفة حفتر في شرق ليبيا ينعكس بصورة مباشرة على النيجر.
وبحسب Jeune Afrique، فإن الإفراج عن زعيم FPL محمود صلاح من قبل سلطات شرق ليبيا مثّل تحولاً في علاقة معسكر حفتر بالسلطة العسكرية في نيامي. ويشير التقرير إلى أن صدام حفتر تعهد بتوفير معدات لمقاتلي FPL لمواصلة قتالهم ضد الجنرال عبد الرحمن تياني.
كما أفادت المجلة بأن صلاح ظهر، بعد نحو شهر من الإفراج عنه، عند المنطقة الحدودية بين ليبيا والنيجر وتشاد، برفقة نحو 100 مقاتل وحوالي 20 سيارة دفع رباعي، قيل إنها قُدِّمت من الجيش الوطني الليبي.
وترى Jeune Afrique أن ليبيا أصبحت فضاءً استراتيجياً للحركات المسلحة في منطقة الساحل، وأن التحولات في العلاقات بين طرابلس وبنغازي والعواصم الساحلية باتت تحمل انعكاسات مباشرة على الأمن وحركة السلاح والذهب والمهاجرين عبر الحدود.
وتكتسب المنطقة الواقعة عند ممر السلفادور، بين ليبيا والنيجر والجزائر، أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها ممراً استراتيجياً تتحرك عبره مجموعات مسلحة وشبكات تهريب مختلفة.
وبالتالي، فإن الإفراج عن قيادة FPL وظهورها مجدداً في المناطق الحدودية، وفق ما أوردته المجلة، يضيف بعداً خارجياً إلى الصراع بين الجبهة والسلطة العسكرية في نيامي.
جبهة التحرير ليست وحدها
ولا تتحرك جبهة التحرير الوطني بمفردها، فقد تجمعت عدة حركات مسلحة مناهضة لسلطة نيامي ضمن تنسيقية القوات الحرة للنيجر (CFLN).
وتضم التنسيقية، إلى جانب جبهة التحرير الوطني (FPL)، كلاً من الجبهة الوطنية للعدالة (FPJ)، والحركة الوطنية من أجل الحرية والعدالة (MPLJ)، والحركة المسلحة للدفاع عن الشعب (MADP)، إضافة إلى القوات المسلحة الحرة (FAL) بقيادة الزعيم الطوارقي والوزير السابق غيسى أغ بولا، مع ظهور MPN لاحقاً ضمن مسار التنسيق.
وتتقاطع هذه الحركات حول عدد من الأهداف، أبرزها إسقاط الحكم العسكري واستعادة النظام الدستوري، لكنها تنتمي إلى قواعد اجتماعية وجغرافية وشبكات مختلفة.
فـ جبهة التحرير الوطنية FPL ترتكز تاريخياً على البيئة التبوية في شرق النيجر، بينما تمثل قوات غيسى أغ بولا امتداداً أقرب إلى الحركات الطوارقية في شمال البلاد. أما بقية الفصائل فتملك بدورها قواعد وشبكات مختلفة، ما يجعل التنسيق بينها مهماً من ناحية توسيع نطاق المعارضة المسلحة.
صراع متعدد الجبهات
تأتي هذه التعبئة في وقت تواجه فيه النيجر وضعاً أمنياً بالغ التعقيد. فالجماعات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تواصل تنفيذ عمليات في مناطق مختلفة من البلاد، بينما أصبحت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وكذلك داعش قادرة على تنفيذ عمليات في مناطق أقرب إلى العاصمة نيامي.
وفي المقابل، تسعى الحركات المسلحة المناهضة للمجلس العسكري إلى استغلال حالة الضغط التي تواجهها القوات المسلحة النيجرية نتيجة اتساع العمليات الجهادية، إلى جانب التوترات والتغيرات داخل المؤسسة العسكرية منذ انقلاب يوليو 2023.
وهكذا يجد نظام الجنرال عبد الرحمن تياني نفسه أمام بيئة أمنية أكثر تعقيداً، مع استمرار تهديد الجماعات الجهادية من جهة، وظهور مؤشرات على توسع المعارضة المسلحة من جهة أخرى.
إعادة تشكيل التحالفات في الساحل
لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل وشمال أفريقيا.
فبعد الانقلابات العسكرية التي أعادت تشكيل أنظمة الحكم في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، اتجهت هذه الدول إلى تقليص علاقاتها مع القوى الغربية وتعزيز التعاون مع روسيا، بينما بدأت قوى إقليمية أخرى في إعادة صياغة علاقاتها مع الأطراف المختلفة في المنطقة.
وفي هذا السياق، تكتسب ليبيا أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضاً بسبب وجود سلطات وقوى عسكرية متنافسة لديها علاقات مختلفة مع الفاعلين في الساحل.
ويشير ما أوردته Jeune Afrique بشأن علاقة معسكر حفتر بجبهة التحرير الوطني إلى أن الصراع في النيجر قد لا يبقى محصوراً داخل حدود البلاد، بل يمكن أن يتأثر بصورة متزايدة بالصراعات والتحالفات الممتدة عبر الحدود الليبية والتشادية والجزائرية.
هل تتحول التعبئة إلى قوة مؤثرة؟
إعلان FPL عن تعبئة آلاف الشباب من مختلف مناطق النيجر يمثل تطوراً مهماً من الناحية السياسية والعسكرية إذا تمكنت الجبهة من تحويل هذا التجنيد إلى قوة منظمة ومستدامة.
إن اتساع خطاب التعبئة واستخدام عدة لغات وطنية، بالتزامن مع تنسيق FPL مع حركات مسلحة أخرى وظهور تقارير عن دعم محتمل من شرق ليبيا، يشير إلى محاولة لبناء معارضة مسلحة أوسع نطاقاً ضد السلطة العسكرية في نيامي.
وإذا نجحت هذه الحركات في توحيد قدراتها والحصول على دعم مالي وتسليحي مستمر، فقد تدخل النيجر مرحلة جديدة من الصراع، يصبح فيها المجلس العسكري أمام ثلاثة تحديات أمنية متوازية: الجماعات الجهادية، والمعارضة المسلحة، والضغوط الداخلية على المؤسسة العسكرية.
