في حوار خاص أجراه الصحفي والإعلامي حسن أغ أوفيدي رئيس تحرير قناة HTV مع رئيس جمعية كل أكال، الأستاذ داود أغ بادي، استعرض الأخير مسيرة الجمعية في رصد انتهاكات حقوق الإنسان في أزواد، والتحديات التي تواجه عملها، وعلاقاتها بالمنظمات الدولية، والجهود المبذولة لملاحقة الانتهاكات عبر المسارات القضائية، داعيًا الضحايا والشهود إلى كسر حاجز الخوف والمساهمة في كشف الحقيقة.
من التأسيس إلى توثيق الانتهاكات
أوضح داود أغ بادي أن جمعية كل أكال، وهي مرصد معني بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان في أزواد، تأسست في 2 مارس 2022، وكانت تهتم منذ انطلاقها بمجالات متعددة، تشمل حقوق الإنسان والتعليم والثقافة والتعايش السلمي.
غير أن التطورات المأساوية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2023 دفعت الجمعية إلى تكثيف جهودها في مجال توثيق الانتهاكات، في ظل تدهور أوضاع السكان المدنيين وتعرضهم لانتهاكات تمس حقوقهم الأساسية وكرامتهم الإنسانية.
وأكد أن عمل الجمعية لا يقتصر على رصد حالات القتل والاعتقال والتعذيب والنهب، بل يشمل أيضًا الاعتداءات على الممتلكات والمصادر الاقتصادية، بما في ذلك مصادر المياه، وغيرها من الأضرار التي تؤثر في حياة السكان وسبل عيشهم.
تحديات اجتماعية وميدانية تعرقل العمل الحقوقي
وفي حديثه عن الصعوبات التي تواجه الجمعية، أشار أغ بادي إلى وجود عوائق اجتماعية وثقافية تجعل بعض الضحايا والشهود مترددين في تقديم الشكاوى أو الإدلاء بشهاداتهم، فضلًا عن التحفظ بشأن السماح بالتصوير.
وأوضح أن هذه العوامل تزيد من صعوبة توثيق الانتهاكات والتحقق من تفاصيلها، إلى جانب التحديات المرتبطة بطبيعة العمل التطوعي والحاجة إلى تضافر جهود أعضاء الجمعية ومواصلة العمل رغم الظروف الصعبة.
وتبرز هذه التحديات أهمية بناء الثقة بين المنظمات الحقوقية والمجتمعات المحلية، وتوفير بيئة آمنة تسمح للضحايا والشهود بتقديم المعلومات دون الخوف من العواقب المحتملة.
تقارير تصل إلى جهات دولية ومسارات قضائية قيد المتابعة
وكشف رئيس جمعية كل أكال أن التقارير الشهرية التي تعدها الجمعية وصلت إلى جهات دولية، من بينها وزارة العدل الأمريكية وخبراء الأمم المتحدة المعنيون بحقوق الإنسان، ولا سيما الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في مالي.
وأضاف أن تقارير الجمعية تُنشر عبر موقعها الإلكتروني، كما تستفيد وسائل إعلام مختلفة من المعلومات التي توفرها بشأن الأوضاع في أزواد.
وفي ما يتعلق بالمساءلة القانونية، تحدث أغ بادي عن تقديم ملف شكوى بالتنسيق مع منظمة إموهاغ الدولية، إلى جانب ملف آخر قال إنه قُدّم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالتنسيق مع محامية مهتمة بقضايا المنطقة.
وشدد على أن حجم الانتهاكات التي تعرض لها سكان أزواد يستدعي اهتمامًا دوليًا أكبر، وخطوات جادة تضمن التحقيق في الوقائع، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الإجراءات القانونية، وإنصاف الضحايا.
كما أكد استمرار التنسيق مع منظمة إموهاع الدولية بشأن الملف القضائي، موضحًا استعداد الجمعية للمساهمة في تكاليف المحامي وتوفير الأدلة والمعلومات اللازمة لدعم القضية.
ودعا أبناء أزواد، ولا سيما الأشخاص المتضررين من الانتهاكات، إلى المساهمة في هذا المسار من خلال تقديم الشهادات والشكاوى والأدلة المتاحة، إلى جانب تقديم الدعم اللازم للقائمين عليه.
غياب الاستجابة الدولية الكافية
وعلى الرغم من وصول تقارير الجمعية إلى مؤسسات دولية ووسائل إعلام، وصف أغ بادي الاستجابة العملية والعلنية بأنها لا تزال محدودة، مشيرًا إلى أن الجمعية لم تلمس حتى الآن مستوى التفاعل الذي تأمله، سواء من خلال مواقف واضحة أو تحركات تدفع نحو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الموثقة.
وأعرب عن أمله في أن تتجاوز الجهات الدولية مرحلة استقبال التقارير ومتابعتها إلى اتخاذ خطوات عملية تسهم في حماية المدنيين، وإنصاف الضحايا، والحد من الإفلات من العقاب.
كما أثار مسألة التفاوت في الاهتمام الدولي بأوضاع مناطق مالي، معتبرًا أن ما يجري في وسط البلاد يحظى، باهتمام أكبر من الوضع في أزواد لدى بعض الجهات الحقوقية والإنسانية .
ورأى أن الاعتبارات السياسية قد تكون أحد العوامل المؤثرة في هذا التفاوت، مطالبًا بإبعاد حقوق الإنسان عن التجاذبات السياسية، وجعل حماية المدنيين أولوية لا تخضع للحسابات السياسية.
التنسيق الحقوقي المحلي والحاجة إلى توسيعه
وفي ما يخص التعاون مع المنظمات الأخرى، أشار رئيس جمعية كل أكال إلى وجود تنسيق وتبادل للمعلومات مع التجمع من أجل الدفاع عن حقوق شعب أزواد، بحكم اشتراك الطرفين في العمل الحقوقي ومتابعة أوضاع السكان في المنطقة نفسها.
ووصف علاقات الجمعية بالمنظمات الدولية بأنها جيدة، موضحًا أن الجمعية ترسل إليها التقارير والمعلومات المتعلقة بالانتهاكات وتتلقى تفاعلًا بشأن ما تقدمه، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة توسيع هذه العلاقات وتعزيز التعاون المشترك.
وفي المقابل، لفت إلى أن الظروف السياسية والإدارية في مالي، والإجراءات التي طالت عددًا من المنظمات والأحزاب ، تزيد من تعقيد العمل الإنساني والحقوقي، وتضع عراقيل أمام الوصول إلى المتضررين والتحقق من أوضاعهم ميدانيًا.
وأعرب عن أمله في إتاحة فرص أكبر للمنظمات المختصة لزيارة السجون ومخيمات النازحين، والاطلاع على الظروف التي يعيشها المتضررون، بما يساعد على تحسين الحماية الإنسانية وتعزيز التحقق المستقل من الانتهاكات.
رحيل سيدي أغ باي وخسارة أحد مؤسسي الجمعية
وتطرق الحوار إلى الدور الذي أداه الراحل سيدي أغ باي داخل جمعية كل أكال، حيث أوضح داود أغ بادي أنه كان يشغل منصب الأمين العام، وأسهم بصورة كبيرة في تأسيس الجمعية ووضع أسس عملها.
وأكد أن الخطة التي وضعها الراحل لا تزال تشكل أساسًا مهمًا للجهود التي تواصل الجمعية القيام بها حتى اليوم، مستذكرًا إسهاماته في مسيرة العمل الحقوقي، ومترحمًا عليه، وداعيًا إلى الدعاء له بالمغفرة والرحمة.
رسالة إلى الضحايا والشهود: لا تدعوا الخوف يحجب الحقيقة
وفي ختام الحوار، وجّه رئيس جمعية كل أكال رسالة إلى أبناء أزواد، دعاهم فيها إلى تعزيز الوعي بحقوق الإنسان وثقافة المطالبة بالحقوق والدفاع عنها بالوسائل المشروعة.
وشدد على ضرورة تشجيع الضحايا والشهود على تقديم شهاداتهم وشكاواهم بشأن الانتهاكات التي تعرضوا لها أو عاينوها، حتى تتمكن الجمعية من توثيقها بصورة مهنية وإيصالها إلى الجهات المختصة.
وأكد أن حماية الضحايا والشهود واحترام سرية المعلومات يمثلان مبدأين أساسيين في عمل الجمعية، موضحًا أن المعلومات المقدمة لأغراض التوثيق والمتابعة الحقوقية تُعامل بسرية، ولا تُنشر إعلاميًا دون مراعاة متطلبات الحماية والموافقة اللازمة.
كما دعا إلى التفاعل الإيجابي مع الملف القضائي الجاري العمل عليه بالتنسيق مع منظمة إموهاغ الدولية، وتقديم المساعدة للقائمين عليه كلٌّ بحسب استطاعته.
توثيق الانتهاكات خطوة نحو العدالة
يعكس الحوار مع رئيس جمعية كل أكال حجم التحديات التي تواجه العمل الحقوقي في أزواد، بدءًا من صعوبة الوصول إلى المعلومات والشهود، مرورًا بالعوائق الميدانية والسياسية، وصولًا إلى محدودية الاستجابة العملية لبعض التقارير والنداءات الدولية.
كما يسلط الضوء على أهمية التوثيق المهني في حفظ الأدلة وشهادات الضحايا، ودعم المساعي الرامية إلى التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
وفي ظل استمرار المخاوف المرتبطة بأوضاع المدنيين، تبقى حماية الشهود، وضمان سرية المعلومات، وتعزيز التعاون بين المنظمات المحلية والدولية، عناصر أساسية لضمان وصول أصوات الضحايا إلى الجهات المعنية.
فبالنسبة إلى جمعية كل أكال، لا يقتصر توثيق الانتهاكات على تسجيل ما حدث، بل يمثل خطوة أساسية نحو كشف الحقيقة، وصون كرامة الضحايا، والمطالبة بالعدالة والإنصاف، وبناء مستقبل يسوده العدل والسلام في أزواد.

