تشهد الأوضاع الأمنية على الحدود بين موريتانيا ومالي تصعيدًا مقلقًا بعد توغلات جديدة للجيش المالي في مناطق يقطنها مواطنون موريتانيون يوم السبت 11 أبريل 2026 . وقد أكد والي ولاية الحوض الغربي، محمد ولد أحمد مولود، مساء السبت 11 أبريل أن وحدات عسكرية مالية دخلت للمرة الثالثة خلال أسابيع قليلة إلى مناطق حدودية. ورغم أن هذه المناطق تقع تقنيًا داخل الأراضي المالية وفقًا للحدود الرسمية، إلا أنها تضم تركيزًا كبيرًا من المواطنين الموريتانيين، مما يخلق وضعًا معقدًا من التداخل البشري والإقليمي الذي يؤجج الاحتكاكات الدبلوماسية بين نواكشوط وباماكو.
في مواجهة هذا الوجود العسكري المتكرر، تبنت السلطات الموريتانية لهجة حازمة مع الدعوة إلى الهدوء. وخلال اجتماع مع سكان بلدية كوكي، جدد الوالي التزام الدولة بحماية مواطنيها، مؤكدًا أن أي من تسول له نفسه الإعتداء على هؤلاء السكان سيجد موريتانيا أمامه. ويهدف هذا الموقف إلى طمأنة السكان الذين يعيشون في مناخ من عدم اليقين الدائم، حيث يُنظر إلى العسكرة المتزايدة للمنطقة من قبل القوات المالية والمرتزقة الروس على أنها شكل من أشكال الترهيب المعتاد، مما يعرض أمن الممتلكات والأرواح للخطر.
في موازاة ذلك، نددت النائبة عن مقاطعة كوبني في الحوض الغربي، فاطمة بنت أهل محمود، بشدة بهذه الانتهاكات المتكررة، واصفة إياها بأنها ذرائع تستخدمها الجيش المالي لارتكاب تجاوزات مأساوية أودت بحياة مدنيين أبرياء. وأكدت على الضرورة الملحة لاتخاذ إجراءات دبلوماسية وفنية للتوصل إلى ترسيم نهائي وواضح للحدود. ووفقًا للنائبة، فإن التطور السريع للوضع يتطلب الاستعداد لجميع السيناريوهات المحتملة، خاصة في مواجهة بعض الأصوات المالية التي تشكك في الاتفاقيات التاريخية وتطالب بمناطق موريتانية، مما يعكس طموحات إقليمية مقلقة.
في صميم النزاع يقع اتفاقية كاي، الموقعة في 16 فبراير 1963، والتي تحدد مسار الحدود بين الدولتين. ومع ذلك، فإن عدم دقة بعض أجزاء هذه الحدود وتداخل السكان الرعاة والمستقرين يجعل تطبيقها صعبًا على الأرض. ويثير التشكيك المحتمل في هذا الاتفاق من قبل بعض الدوائر المؤثرة في مالي مخاوف من عدم استقرار دائم. وبالنسبة لموريتانيا، فإن تصحيح الاختلالات الحدودية لم يعد مجرد مسألة إدارية، بل ضرورة ملحة لإنهاء الارتباك الجغرافي الذي يغذي الحوادث المسلحة.
من جانبها، أصدرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الموريتانية بيانًا توضيحيًا لتهدئة الرأي العام. وأوضح الجيش أن التوغلات الأخيرة حدثت في قرى مثل بيزيا، وقطاع دافاو، وأهل إبراهيم، وفوسات، الواقعة على بعد 6 إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي المالية. ومع تأكيدها أن هذه المناطق ليست جزءًا من الأراضي الوطنية، تؤكد المؤسسة العسكرية أنها تتابع الوضع بيقظة مستمرة. وتدعو وسائل الإعلام إلى التحلي بالمسؤولية لتجنب أي مبالغة قد تثير ذعرًا لا أساس له، مع ضمان أن حماية الحدود تظل الأولوية القصوى.
في الختام، تتطلب تسوية هذه الأزمة الحدودية إرادة سياسية ثنائية قوية لتحويل منطقة الاحتكاك إلى فضاء للتعاون عبر الحدود. ويبدو الترسيم الفعلي للحدود، رغم تعقيده الفني، هو الحل الدائم الوحيد لضمان سيادة كل دولة مع الحفاظ على حقوق وأمن السكان المدنيين.
