شهدت مالي صباح الخميس 29 يناير/كانون الثاني 2026 واحدة من أعنف الهجمات على قوافل الوقود منذ بداية أزمة المحروقات، بعد تعرّض قافلة ضخمة قادمة من السنغال إلى كمين مسلح واسع نفذته عناصر تابعة لـكتيبة ماسينا، الذراع الأبرز لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، قرب محور ديبولي – كاي في غرب البلاد.
وبحسب المعطيات الأولية المتوفرة، شارك في الهجوم ما يقارب 100 مسلح، استخدموا أسلحة رشاشة ثقيلة وعبوات ناسفة، قبل أن يسيطروا على القافلة ويُقدموا على إحراق ما يقارب 50 شاحنة صهريج وقود بالكامل، في ضربة لوجستية تُعد من الأكبر منذ أسابيع.
القافلة كانت مرافَقة بوحدة من قوات الدفاع والأمن المالية (FDS)، والتي تم القضاء عليها وإحراق عدد كبير من السيارات العسكرية وفرار البقية اما السائقين فقد قتل عدد منهم وأسر آخرون، في وقت اكتفت فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإعلان تبنّي الهجوم دون نشر حصيلة رسمية.
هجوم منسق في منطقة استراتيجية
وقع الهجوم على بعد عشرات الكيلومترات من مدينة كاي، في منطقة تُعد من أهم الشرايين اللوجستية لإمداد العاصمة باماكو بالوقود القادم من السنغال، وهو ما يمنح العملية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد عمل عسكري تكتيكي.
ووفق مصادر محلية، بدأ الكمين بتفجير عبوات ناسفة استهدفت مقدمة الرتل العسكري المرافق، قبل أن يشن المسلحون هجومًا مباشرًا من عدة محاور، ما أدى إلى شلّ المرافقة الأمنية بالكامل، وإجبار السائقين على التوقف.
بعد السيطرة على الموقع، شرع المسلحون في إضرام النار في الصهاريج واحدًا تلو الآخر، في مشهد وثّقته مقاطع فيديو نُشرت لاحقًا على منصات التواصل الاجتماعي، تُظهر أعمدة كثيفة من الدخان تتصاعد على طول الطريق الرابط بين ديبولي وكاي.
ضربة مباشرة لشريان الطاقة المالي
لا يُعد هجوم كاي مجرد عملية عسكرية معزولة، بل يمثل ضربة مباشرة لشريان الطاقة في الدولة المالية، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة وقود خانقة منذ أكثر من خمسة أشهر.
وتعتمد مالي بشكل شبه كلي على الوقود المستورد عبر محاور برية من السنغال وساحل العاج وغينيا، ما يجعل أي استهداف لهذه القوافل تأثيره فوريًا على السوق الداخلية، سواء من حيث الأسعار أو توفر الإمدادات.
ويُرجّح خبراء لوجستيون أن إحراق خمسين صهريجًا دفعة واحدة يعني خسارة ملايين اللترات من الوقود، وهو ما يكفي لتغذية العاصمة باماكو لعدة أيام في الظروف الطبيعية.
صمت رسمي وقلق متصاعد
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر السلطات المالية بيانًا رسميًا مفصلًا حول الهجوم، واكتفت مصادر أمنية غير رسمية بالإشارة إلى “وقوع خسائر مادية وبشرية”، دون تقديم أرقام دقيقة.
هذا الصمت يعكس، بحسب مراقبين، حجم الإرباك داخل المؤسسات الأمنية، في ظل تكرار السيناريو نفسه: قوافل مرافَقة عسكريًا، تُستهدف، تُحاصر، ثم تُدمّر بالكامل.
رسالة واضحة من الجماعات المسلحة
يرى محللون أن هجوم الأمس يحمل رسالة استراتيجية واضحة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مفادها أن:
“الدولة المالية عاجزة عن حماية شرايينها الحيوية، حتى في المناطق الغربية التي تُصنّف نظريًا على أنها أكثر أمنًا من وسط البلاد وجنوبها.”
كما يشير توقيت الهجوم – في ظل حديث رسمي عن تراجع حدّة الحصار – إلى أن الجماعة لا تزال تحتفظ بقدرة عالية على المبادرة، وأن ما يُسمّى بتخفيف الحصار لا يتجاوز كونه تكتيكًا إعلاميًا لا ينعكس ميدانيًا.
هجوم كاي… مؤشر على مرحلة أخطر
يمثّل هجوم كاي الأخير نقطة تحوّل خطيرة في مسار أزمة الوقود، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، بل لأن العملية جرت في عمق الغرب المالي، وعلى محور دولي حيوي، ما يعني أن الجماعات المسلحة لم تعد تكتفي باستنزاف الدولة في الأطراف، بل باتت تستهدف قلب المنظومة اللوجستية والاقتصادية للبلاد.
وفي ظل غياب حلول أمنية فعّالة، وتراجع الدعم الخارجي، واستمرار العجز عن تأمين الطرق، تبدو مالي اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى واقع جديد:
دولة بلا وقود… أي دولة بلا حركة، بلا اقتصاد، وبلا سيادة فعلية.
