للمرة الأولى منذ وصول مجموعة فاغنر إلى مالي، يقرّ الجيش المالي بمقتل مدنيين خلال عمليات عسكرية. لكن هذا الاعتراف يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا تستدعي وفيات المدنيين في جنوب مالي الاعتراف والاعتذار، بينما تُبرَّر وفيات المدنيين في أزواد وماسينا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب؟
عندما تحدد الجغرافيا قيمة الإنسان
يشكّل اعتراف الجيش المالي مؤخرًا بمقتل مدنيين خلال عمليات عسكرية في ولاية سيغو، جنوب البلاد، مفارقة لافتة عند مقارنته بطريقة التعامل مع ضحايا العمليات العسكرية في أزواد وماسينا.
فعندما يسقط مدنيون في الجنوب، في قلب المناطق المرتبطة تاريخيًا بمملكة بامبارا، تجد السلطات الكلمات المناسبة للاعتراف بوقوع حادث، بل وقد تقدم اعتذارًا. أما عندما تستهدف الغارات الجوية والعمليات العسكرية مخيمات الرحّل وقرى أزواد وماسينا، وتودي بحياة النساء والأطفال، فكثيرًا ما يُقدَّم الضحايا على أنهم «إرهابيون»، حتى قبل إجراء تحقيقات مستقلة تثبت حقيقة ما حدث.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل أرواح المدنيين في جنوب مالي أغلى من أرواح المدنيين في أزواد وماسينا؟
ضحايا بمعايير مختلفة
منذ بدء عمليات فاغنر في مالي، في مارس 2022، يواجه سكان مناطق أزواد وماسينا انتهاكات متكررة من قبل الجيش المالي وفاغنر ثم الفيلق الإفريقي، حتى إن بعض الضحايا يُوصمون بالإرهاب دون أن تتاح الفرصة لتحقيقات مستقلة لتحديد ملابسات مقتلهم.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح المدنيون عرضة للتصنيف الجماعي، وتتحول تهمة الإرهاب إلى مبرر يُستخدم لتفسير سقوط الضحايا.
وقت وثقت منظمات حقوق الإنسان مقتل أكثر من خمسة آلاف مدني منذ بدء عمليات فاغنر في مارس 2022 حتى الآن.
لكن جوهر القضية لا يتوقف على رقم بعينه؛ بل يتعلق بمبدأ أساسي: لماذا يبدو الاعتراف بالضحايا ممكنًا في سيغو، بينما تتراجع الاعتبارات الإنسانية نفسها عندما يتعلق الأمر بسكان أزواد وماسينا؟
إن تصوير سكان مناطق بأكملها على أنهم مشتبه بهم أو حاضنة للإرهاب يفتح الباب أمام تبرير معاناة المدنيين، ويجعل موتهم أمرًا عاديًا في نظر من يفترض بهم حمايتهم.
هل الأم البمبارية أغلى من الأم الفلانية ؟
الأم في سيغو ليست أغلى من الأم في ماسينا ولا في كيدال ، والطفل البمباري لا يتمتع بحقوق تفوق حقوق الطفل الطوارقي أو العربي أو الفلاني أو السونغاي.
لا تتغير قيمة الحياة الإنسانية بتغير العرق أو اللغة أو الانتماء المجتمعي أو الموقع الجغرافي.
ومن أخطر مظاهر هذا الواقع أن يُنظر إلى سكان بعض المناطق باعتبارهم أعشابًا ضارة ينبغي اقتلاعها من الحقل، وكأن وجودهم في حد ذاته يمثل تهديدًا. فمثل هذا المنطق لا يؤدي إلا إلى تجريد البشر من إنسانيتهم، وتهيئة الظروف لتطبيع العنف ضدهم.
إن مكافحة الجماعات المسلحة لا تعفي القوات العسكرية من واجب التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ولا تبرر استهداف المدنيين أو تنفيذ هجمات عشوائية أو إعدام أشخاص خارج نطاق القتال. كما لا يمكن أن تكون هوية السكان أو المنطقة التي يعيشون فيها دليلًا على تورطهم في أعمال مسلحة.
أزمة تتجاوز المؤسسة العسكرية
لا تقتصر هذه الازدواجية على أسلوب تنفيذ العمليات العسكرية، بل تطرح أسئلة أعمق تتعلق بمفهوم الدولة، والمساواة أمام القانون، واحترام الكرامة الإنسانية.
فالعلاقة بين باماكو وأزواد تتسم بصراع سياسي وإقليمي عميق، وتختلف المواقف بشأن الوضع السياسي لأزواد ومستقبل علاقته بالدولة المالية. غير أن هذه الخلافات لا يمكن أن تشكل مبررًا لحرمان المدنيين من الحماية.
إذا كانت السلطات المالية تعتبر سكان أزواد جزءًا من البلاد، فعليها أن تضمن لهم الحماية والحقوق نفسها التي يتمتع بها سكان الجنوب. وإذا كانت تتمسك بسلطتها على هذه الأراضي، فإن هذه السلطة تترتب عليها التزامات تجاه السكان، وفي مقدمتها حماية أرواحهم واحترام حقوقهم.
لا يمكن لأي دولة أن تدّعي حماية جميع سكانها إذا كان الاعتراف بالضحايا والوصول إلى العدالة يتأثران بالانتماء المجتمعي أو الموقع الجغرافي.
الاعتراف بالضحايا يجب ألا يتوقف عند حدود الجنوب
ينبغي أن يشكل الاعتراف بمقتل مدنيين في سيغو خطوة نحو تكريس مبدأ المساءلة، بحيث تصبح المؤسسة العسكرية ملزمة بتوضيح ملابسات عملياتها، والاعتراف بالأخطاء، وتحمل المسؤولية عن الانتهاكات .
لكن هذا المبدأ يجب أن يُطبّق في جميع المناطق دون استثناء.
فمدنيو أزواد وماسينا يستحقون هم أيضًا تحقيقات مستقلة، واعترافًا رسميًا بضحاياهم ، وتعويضات مناسبة للمتضررين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
نحن لا نطالب بتقليص حماية سكان الجنوب، بل نطالب بتوسيعها لتشمل جميع المدنيين، دون تمييز.
ولا نطالب باعتذار لفئة والصمت عن فئة أخرى، بل نطالب بالحقيقة والشفافية والعدالة وإنهاء الإفلات من العقاب.
نطالب بالكشف عن هويات الضحايا، وتمكين العائلات من معرفة مصير أبنائها، وألا تتحول تهمة الإرهاب إلى وسيلة لإغلاق الملفات أو منع التحقيق المستقل في عمليات قتل المدنيين.
ما دامت أرواح الضحايا لا تُعامل بالتساوي، ستظل السلام بعيدة المنال
إن سياسة الكيل بمكيالين لا تؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة، وتوسيع الشعور بالظلم، وزيادة الانقسامات القائمة بين السكان.
فعندما يحصل ضحايا منطقة على الاعتراف الرسمي، بينما يُبرَّر موت ضحايا منطقة أخرى أو يُتجاهل، تصبح المصالحة مجرد شعار، ويغدو الحديث عن السلام بلا معنى حقيقي.
لا يمكن بناء سلام مستدام على التعاطف الانتقائي، ولا يمكن تحقيق المصالحة في ظل غياب المساءلة والإفلات من العقاب.
أمهات أزواد أمهات مثل سائر الأمهات، وأطفالهم بشر لهم الحق في الحياة والأمان، وذووهم يستحقون الحزن عليهم والاعتراف بمعاناتهم وتحقيق العدالة لهم.
إن للحياة الإنسانية حرمة لا تحدّها الجغرافيا، وللعدالة مبدأ لا ينبغي أن يخضع للانتماءات السياسية أو المجتمعية. ولا يجوز التضحية بأي مجموعة من المدنيين لمجرد أنهم يعيشون في الشمال بدلًا من الجنوب أو في الشرق بلاد من الغرب .
ما دامت السلطات المالية لا تضمن حماية متساوية لجميع السكان، وما دام المسؤولون عن الانتهاكات لا يخضعون للمساءلة، فإن الجراح ستظل مفتوحة، وستتراجع فرص الوصول إلى سلام دائم.
فحياة الإنسان لا تقل قيمة عن حياة إنسان آخر؛ لا في سيغو، ولا في ماسينا، ولا في أزواد. ولا يمكن لأي مبرر سياسي أو عسكري أن يغيّر هذه الحقيقة.

