واغادوغو – 15 أغسطس 2026
لم يعد تصعيد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) في بوركينا فاسو يقتصر على الكمائن والهجمات الخاطفة، بل بات يأخذ منحى أكثر جرأة، يتمثل في مهاجمة مواقع عسكرية وأمنية ومحاولة السيطرة عليها والاستيلاء على ما فيها من أسلحة ومعدات.
وفي أحدث مؤشر على هذا التصعيد، أعلنت الجماعة صباح السبت 15 أغسطس سيطرتها على موقع تابع لميليشيا بوركينية في منطقة تونتان، كما أعلنت في هجوم منفصل السيطرة الكاملة على ثكنة عسكرية تابعة للجيش البوركيني في تاوري بمحافظة فادا نغورما.
وتأتي العمليتان بعد شهر شهد نشاطاً مكثفاً للجماعة في مناطق واسعة من البلاد، إذ تشير مراجعة المنشورات المتاحة خلال يوليو إلى أكثر من 40 هجوماً أو حادثاً منفصلاً، أو سلسلة هجمات، نسبت إلى الجماعة داخل بوركينا فاسو.
هجوم مزدوج
في تونتان، قالت نصرة الإسلام والمسلمين إنها تمكنت من السيطرة على قاعدة تابعة لميليشيا بوركينية، في عملية تستهدف واحدة من أبرز مكونات منظومة الأمن المحلي التي تعتمد عليها السلطات لمواجهة الجماعات المسلحة في المناطق الريفية.
أما في تاوري، فقد أعلنت الجماعة سيطرتها الكاملة على ثكنة للجيش البوركيني.
وتكتسب العملية الثانية أهمية خاصة، إذ تقع تاوري في منطقة فادا نغورما، وهي إحدى المناطق التي شهدت خلال يوليو سلسلة متكررة من الهجمات على القوات الحكومية.
يوليو.. أكثر من 40 هجوماً
ويكشف تتبع العمليات المعلنة خلال يوليو عن نمط متكرر من الضغط على القوات الحكومية.
ففي الثاني من الشهر، أُعلن عن السيطرة على موقعين للجيش في تيتاو بمقاطعة لوروم، بينما شهد الرابع من يوليو سلسلة هجمات بارزة، بينها هجوم على قاعدة BIR 29 في دي بمقاطعة سورو، وهجوم آخر على ثكنة في دين بمنطقة ديدوغو، إلى جانب عمليات في تييرا ودالا بمنطقة غوا.
وخلال منتصف الشهر، تواصل استهداف مواقع قوات الدفاع التطوعي VDP، حيث أُعلن عن السيطرة على مواقع في كونكورا وسولي وكومبري، بالتزامن مع هجمات على قرى ومحاور للحركة.
لكن وتيرة العمليات ارتفعت بصورة أوضح في الأسبوع الثالث من يوليو.
ففي 21 يوليو، شهدت عدة مناطق هجمات متزامنة، من بينها هجوم على ثكنة تاوري في فادا نغورما باستخدام طائرة مسيّرة، أُعلن خلاله عن مقتل سبعة جنود والسيطرة على الموقع والاستيلاء على معدات.
وفي اليوم نفسه، أُعلن عن عمليات أخرى في بام وتابوا وسانماتنغا ولوروم.
وتواصلت الهجمات في الأيام التالية، إذ أُبلغ في 22 يوليو عن عمليات في نتسابوني وكارموغا وسوني وباكاري-دجا وكارمودجان، قبل أن تتجدد عمليات السيطرة على المواقع خلال 23 يوليو.
وفي نهاية الشهر، استمرت الهجمات في ديدوغو وأوّاهيغويا وبام، وصولاً إلى إعلان السيطرة على موقع في بونام يوم 31 يوليو.
من الكمائن إلى السيطرة
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الهجمات وحده، بل في طبيعة العمليات.
فجزء من نشاط الجماعة خلال يوليو تمثل في استهداف مواقع عسكرية وأمنية صغيرة، وهي نقاط غالباً ما تكون معزولة وتفتقر إلى قدرة كبيرة على الصمود أمام هجمات مركزة.
وتكشف العمليات كذلك عن اعتماد الجماعة على مزيج من التكتيكات: الكمائن، والهجمات المباشرة على المواقع، واستهداف المركبات، والهجمات على محاور الحركة، فضلاً عن استخدام الطائرات المسيّرة الهجومية.
كما أن تكرار الإعلان عن السيطرة على مواقع تابعة لـVDP يعكس محاولة لإضعاف الطبقة الأمنية المحلية التي تعتمد عليها السلطات البوركينية لتعويض محدودية انتشار الجيش في المناطق الريفية.
جبهة واسعة
وتوزعت العمليات المعلنة خلال يوليو على مساحة جغرافية واسعة، من الشمال ومحيط أوّاهيغويا وتيتاو، مروراً بالوسط الشمالي وبام وسانماتنغا، وصولاً إلى الشرق، ولا سيما فادا نغورما وتابوا، فضلاً عن مناطق في غرب البلاد والجنوب الغربي.
هذا الانتشار يفرض على القوات الحكومية تحدياً مزدوجاً: حماية المدن والمراكز الرئيسية، وفي الوقت نفسه الدفاع عن عشرات المواقع الصغيرة المنتشرة في المناطق الريفية.
ومع تعدد الهجمات في مناطق متباعدة خلال اليوم نفسه، تصبح عملية تعزيز المواقع أو إرسال قوات الإسناد أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون خطوط الحركة نفسها عرضة للكمائن والهجمات.
ما وراء الهجوم
ويعكس المسار الميداني خلال يوليو وأغسطس محاولة من الجماعة لاستثمار نقاط الضعف في الانتشار الأمني، من خلال استهداف المواقع المعزولة بصورة متكررة.
فالسيطرة المؤقتة على موقع عسكري قد تحقق للجماعة عدة أهداف في وقت واحد: إلحاق خسائر بالقوات، والاستيلاء على الأسلحة والمعدات، وإجبار الجيش على إعادة الانتشار، وإظهار القدرة على الوصول إلى مواقع يفترض أن تكون تحت حماية الدولة.
ومن هنا، فإن هجوم تاوري في 15 أغسطس لا يمكن فصله عن سلسلة العمليات التي شهدتها المنطقة نفسها خلال يوليو.
تصعيد مستمر
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن المشهد الأمني في بوركينا فاسو يواصل التحول من نمط الهجمات المتفرقة إلى عمليات أكثر انتظاماً وتنوعاً من حيث الأهداف والأساليب.
إن استهداف مواقع الجيش وVDP في مناطق مختلفة، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة ومحاولات السيطرة على المواقع، يقدم مؤشراً على استمرار الضغط العسكري.
ومع هجوما تونتان وتاوري في 15 أغسطس، تدخل بوركينا فاسو شهراً جديداً في ظل تحد أمني متصاعد، فيما تظل قدرة القوات الحكومية على حماية المواقع النائية وقطع خطوط الحركة بين مناطق البلاد أحد أبرز الاختبارات أمام السلطات في المرحلة المقبلة.
