في ليلة كان يفترض أن تُزف فيها الأفراح وتتعالى فيها الزغاريد، تحولت قرية تيني في منطقة سان وسط مالي إلى مسرح مأساوي جديد يعكس حجم الانتهاكات الجسمية الني ينتهكها الجيش المالي و المرتزقة الروس.
ففي ليلة 16 إلى 17 مايو 2026، قصفت طائرة مسيّرة من نوع TB2 تابعة للجيش المالي والفيلق الروسي تجمع مدني كان يستعد لإحياء حفل زفاف جماعي تقليدي، لتخلف وراءها 11 قتيلا وعدد من الجرحى، كلهم من المدنيين، بينهم أطفال ونساء حوامل وشخصيات محلية منتخبة.
هذه الحادثة ليست مجرد “خطأ عسكري” عابر كما تحاول السلطات في كثير من الأحيان تقديمه، بل تأتي ضمن سلسلة متكررة من الغارات الجوية التي ينفذها الجيش المالي وشركاؤه الروس من عناصر “الفيلق الإفريقي” المعروف سابقًا بمجموعة فاغنر ضد المدنيين في أزواد و ماسينا منذ 2023
حرب بلا تمييز
منذ تصاعد اعتماد الجيش المالي على الطائرات المسيّرة والأسلحة الجوية في معاركه ضد الجماعات المسلحة، بدأت تتزايد التقارير القادمة من مناطق ماسينا و أزواد حول سقوط مدنيين خلال القصف الجوي.
ورغم أن السلطات المالية تؤكد دائمًا أن عملياتها تستهدف “الإرهابيين”، إلا أن شهادات السكان المحليين وتقارير المنظمات الحقوقية ترسم صورة مختلفة تمامًا.
فالقرى والأسواق ومخيمات الرحل وحتى المناسبات الاجتماعية و المساجد و المستشفيات أصبحت في كثير من الأحيان أهدافًا مباشرة لهذه الضربات.
وفي مناطق أزواد ووسط مالي ( ماسينا ) ، يعيش السكان اليوم تحت خوف دائم من الطائرات المسيّرة التي تحلق في السماء لساعات طويلة، قبل أن تتحول فجأة إلى أداة موت جماعي.
حادثة تيني أعادت إلى الواجهة سؤالًا خطيرًا:
كيف يمكن لطائرة مزودة بتقنيات مراقبة حديثة أن تخطئ بين تجمع مدني لحفل زفاف وبين هدف عسكري؟
الطائرات المسيّرة وتغيير طبيعة الحرب في مالي
أدخلت باماكو خلال السنوات الأخيرة طائرات TB2 التركية إلى ترسانتها العسكرية، باعتبارها وسيلة فعالة لمحاربة الجماعات المسلحة.
لكن الواقع الميداني كشف أن استخدام هذه التكنولوجيا في بيئة معقدة مثل مالي، حيث كان السكان المدنيين من أكثر ضحايا هذه الغارات التي تنفذها المسيرة التركية التي تحصل عليها الجيش المالي و المرتزقة الروس منذ 202.
المدنيون بين نارين
المأساة في مالي لا تقتصر فقط على خطر الجماعات المسلحة، بل إن المدنيين أصبحوا عالقين بين عدة أطراف متصارعة:
الجماعات الجهادية، والجيش المالي، والميليشيات المحلية، إضافة إلى المقاتلين الروس الذين توسع حضورهم في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا المشهد المعقد، يدفع السكان الثمن الأكبر.
فالقرى تُتهم بإيواء المسلحين، والأسواق تُعتبر مناطق مشبوهة، والتجمعات الاجتماعية تتحول إلى أهداف محتملة.
أما في مناطق أزواد والوسط، فقد أصبحت الثقة بين السكان المحليين والدولة في أدنى مستوياتها، خصوصًا مع تكرار الاتهامات بارتكاب انتهاكات ضد العرب والطوارق والفولان وغيرهم من المكونات المحلية.
صمت دولي يثير التساؤلات
ورغم خطورة هذه الحوادث، فإن ردود الفعل الدولية غالبًا ما تبقى محدودة وخجولة.
فباستثناء بعض البيانات الحقوقية المتفرقة، لا يبدو أن هناك ضغطًا حقيقيًا لفتح تحقيقات شفافة أو لمحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين.
ويثير هذا الصمت استياءً واسعًا لدى السكان المحليين الذين يرون أن أرواحهم لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أزمات أخرى حول العالم.
كما أن تراجع الحضور الدولي في مالي بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة والقوات الفرنسية، خلق فراغًا كبيرًا في مجال مراقبة الانتهاكات وتوثيقها، ما جعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.
