أزواد – 21 أكتوبر 2026
استضافت قناة «إيسلان 24» الأزوادية الصحفي والباحث المختص في شؤون الساحل، الأستاذ أبو بكر الأنصاري، في لقاء إعلامي أجراه الصحفي بكاي أغ حمد أحمد، مؤسس ورئيس قناة إيسلان 24، تناول أبرز التطورات المرتبطة بالقضية الأزوادية، والتحديات العسكرية والسياسية والإعلامية التي تواجهها، في ظل تصاعد المواجهة بين جبهة تحرير أزواد والجيش المالي المدعوم من روسيا.
وجاء اللقاء في سياق حملة إعلامية يقودها نشطاء وكوادر ومثقفون أزواديون عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المتاحة، بهدف مواجهة حملات التضليل والشائعات، وتسليط الضوء على تطورات القضية الأزوادية والانتهاكات التي تتحدث عنها جهات حقوقية ومصادر محلية.
الانسحاب من كيدال: حسابات عسكرية وتجنب الخسائر
في مستهل الحوار، ناقش بكاي أغ حمد أحمد مع ضيفه قرار جبهة تحرير أزواد الانسحاب من مدينة كيدال عقب تقدم القوات المالية المدعومة من الفيلق الإفريقي الروسي، متسائلًا عما إذا كان هذا القرار يمثل خيارًا عسكريًا صائبًا مقارنة بالدخول في مواجهة مباشرة.
وأوضح أبو بكر الأنصاري أن الانسحاب التكتيكي قد يكون الخيار الأفضل عندما تكون موازين القوى مختلة، ولا سيما في ظل التفوق الجوي والتكنولوجي للطرف الآخر. وأشار إلى أن وجود الطائرات المسيّرة والقوات الروسية والمالية، إلى جانب محدودية القوات المتاحة للجبهة داخل المدينة في ذلك الوقت، جعل المواجهة المباشرة محفوفة بخسائر بشرية ومادية كبيرة.
وأضاف أن الانسحاب أتاح للجبهة الحفاظ على قدراتها القتالية وتجنب استنزاف قواتها في معركة واحدة، بما يسمح لها بالاستعداد لمواجهات لاحقة.
وبحسب قراءة الضيف، فإن تقييم القرارات العسكرية لا ينبغي أن يقتصر على مسألة الاحتفاظ بمدينة أو فقدانها، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرة على الاستمرار في القتال والمحافظة على القوات والإمكانات على المدى الطويل.
روسيا والفيلق الإفريقي: من التدخل العسكري إلى الانخراط المباشر في النزاع
خصص الحوار مساحة مهمة للدور الروسي في الصراع الأزوادي- المالي ، والتحول من مجموعة فاغنر إلى الفيلق الإفريقي، ومدى تأثير هذا التدخل في موازين القوى بين الجيش المالي وجبهة تحرير أزواد.
واعتبر الأنصاري أن موسكو لم تعد مجرد طرف خارجي يقدم الدعم العسكري لباماكو، بل أصبحت، وفق تقديره، طرفًا مباشرًا ومؤثرًا في الحرب الدائرة في أزواد. وربط هذا الانخراط بحسابات استراتيجية روسية أوسع، تتجاوز حدود مالي و أزواد، وتشمل التنافس مع القوى الغربية، ولا سيما فرنسا.
وأشار إلى أن السلطات المالية التي وصلت إلى الحكم عقب الانقلاب العسكري راهنت على الدعم الروسي لتحقيق حسم عسكري سريع، إلا أن استمرار الصراع لسنوات، وفق حديثه، كشف عن صعوبة إنهائه بالوسائل العسكرية وحدها.
وفي هذا السياق، رأى الضيف أن استمرار الوجود العسكري الروسي لا يسهم في معالجة جذور الأزمة، بل يعزز من تعقيدها، معتبرًا أن أي تسوية مستدامة تقتضي معالجة الأسباب السياسية للصراع وإنهاء التدخلات التي تغذي المواجهة.
كما حذر من أن استمرار النزاع قد يفتح المجال أمام مزيد من التصعيد الإقليمي والدولي، إذا تحولت المنطقة إلى ساحة أوسع للصراع بين موسكو والقوى الغربية.
تركيا والطائرات المسيّرة: التكنولوجيا العسكرية في قلب الصراع
انتقل الحوار بعد ذلك إلى الدور التركي، خصوصًا التعاون العسكري مع باماكو وتزويد الجيش المالي بالطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة، وما يمكن أن يتركه ذلك من آثار على مسار المواجهات الميدانية.
ورأى أبو بكر الأنصاري أن الدعم العسكري التركي منح الجيش المالي قدرات إضافية في مجال الاستطلاع والاستهداف الجوي، الأمر الذي يزيد من صعوبة تحرك القوات الأزوادية في الميدان، ويرفع المخاطر التي تواجه السكان المدنيين في المناطق المتأثرة بالعمليات العسكرية.
وذهب الضيف إلى اعتبار أنقرة طرفًا مؤثرًا في النزاع، منتقدًا تجاهل حقوق الشعوب المحلية ومصالحها في سبيل تحقيق أهداف استراتيجية وتوسيع النفوذ الإقليمي.
كما تطرق إلى أوضاع الطوارق في ليبيا، معتبرًا أن السياسات الإقليمية المتعلقة بالتمثيل والهوية والحقوق قد أسهمت، من وجهة نظره، في إضعاف حضورهم السياسي في بعض السياقات.
الإعلام الأزوادي ومواجهة التعتيم والتضليل
في المحور الأخير، ناقش بكاي أغ حمد أحمد مع ضيفه أسباب محدودية التغطية الدولية للقضية الأزوادية، رغم استمرار المواجهات العسكرية والتقارير عن سقوط ضحايا مدنيين وحالات النزوح، إلى جانب دور الإعلام الأزوادي في إيصال هذه التطورات إلى الرأي العام.
وأوضح الأنصاري أن التغطية الإعلامية للقضية تأثرت، تاريخيًا، بحسابات الدول ومصالحها السياسية وعلاقاتها مع الحكومة المالية، الأمر الذي حدّ من حضور القضية في بعض وسائل الإعلام الرسمية والدولية.
لكنه أشار إلى أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتحول الرقمي أتاحا للناشطين الأزواديين تجاوز جانب من هذه القيود، من خلال نشر المعلومات والصور ومقاطع الفيديو، والتعريف بالأحداث التي تشهدها المنطقة.
وأكد أن الإعلام الأزوادي، رغم محدودية موارده وإمكاناته، أصبح أداة مهمة في نقل الرواية المحلية وتوثيق الانتهاكات وإبقاء القضية حاضرة في النقاش العام.
كما سلط الضوء على دور النشطاء ومنظمات المجتمع المدني والهيئات المعنية بحقوق الإنسان، بما فيها الجهات التي تعمل على جمع الشهادات وتوثيق الوقائع وإعداد التقارير، فضلًا عن التحركات والأنشطة التي تستهدف تعريف المؤسسات الدولية والرأي العام الأوروبي بتطورات الوضع في أزواد.
وفي ظل ما وصفه بتصاعد حملات التضليل والشائعات، شدد الحوار على أهمية تطوير العمل الإعلامي الأزوادي، وتعزيز التنسيق بين الصحفيين والناشطين والهيئات الحقوقية، والاعتماد على التوثيق الدقيق والتحقق من المعلومات قبل نشرها.
الإعلام ساحة موازية للصراع
أبرز ما عكسه اللقاء هو أن الصراع في أزواد لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى ساحة الإعلام والرواية السياسية، حيث تتنافس الأطراف على تفسير الأحداث والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المبادرات الإعلامية الأزوادية التي تسعى إلى نقل الأحداث من الميدان، وإتاحة المجال للنقاش حول مستقبل المنطقة، وتقديم روايات السكان والفاعلين المحليين إلى جمهور أوسع.
كما يسلط الحوار الضوء على التحدي الذي تواجهه هذه المبادرات في ظل محدودية الموارد، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
خاتمة
شكل اللقاء الذي جمع الصحفي بكاي أغ حمد أحمد، مؤسس ورئيس قناة «إيسلان 24»، بالصحفي والمختص في شؤون الساحل أبي بكر الأنصاري، مناسبة لمناقشة مجموعة من الملفات الأساسية المرتبطة بالقضية الأزوادية، بدءًا من الانسحاب من كيدال، مرورًا بالدورين الروسي والتركي في النزاع، وصولًا إلى تحديات الإعلام الأزوادي في مواجهة التعتيم والتضليل.
وخلصت المحاور التي تناولها الضيف إلى التأكيد على أهمية فهم التطورات العسكرية ضمن سياقها السياسي والاستراتيجي، وعلى الدور المتزايد للإعلام في توثيق الأحداث وإيصالها إلى الخارج.
وفي ظل استمرار الأزمة، تبقى دقة المعلومات، وتوثيق الوقائع، وإبراز الأبعاد الإنسانية والسياسية للصراع من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الأزوادي الساعي إلى إيصال قضيته إلى الرأي العام الإقليمي والدولي.

