يكشف تقرير نشرته Africa Intelligence عن تطور لافت في مسار الأزمة المالية-الأزوادية، يتمثل في انتقال جبهة تحرير أزواد (FLA) وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) من مجرد طرفين يواجهان المجلس العسكري ميدانياً إلى فاعلين قادرين على التأثير في المسارات السياسية والإنسانية المرتبطة بالأزمة. وفي المقابل، تبدو باماكو في موقف أكثر تعقيداً، بعدما وجدت نفسها أمام ضغوط عسكرية متواصلة وتحركات دبلوماسية إقليمية متزايدة، في وقت تصر فيه رسمياً على رفض الحوار المباشر مع خصومها المسلحين.
رسالة بلال آغ الشريف.. تحرك سياسي يتجاوز الميدان
تكمن أهمية الرسالة التي بعث بها الأمين العام لجبهة تحرير أزواد، بلال أغ الشريف، إلى الرئيس الكونغولي دنيس ساسو نغيسو، والتي قالت مجلة Africa Intelligence أنها تحصلت على نسخة منها ، في أنها تكشف عن رغبة واضحة لدى FLA في استثمار ملف الأسرى لفتح مسار سياسي غير مباشر مع باماكو.
ففي مطلع أغسطس، طلب بلال آغ الشريف من الرئيس الكونغولي التدخل لدى السلطات المالية من أجل التوصل إلى حل بشأن الأسرى الماليين الذين وقعوا في قبضة الحركة خلال المعارك الأخيرة في أزواد. وبررت جيهة تحرير أزواد FLA مبادرتها باعتبارات إنسانية، مشيرة إلى صعوبة توفير الغذاء والرعاية الطبية والحماية الأمنية لعدد كبير من الأسرى يقارب 300 أسير ، خصوصاً في ظل اضطرار الحركة إلى نقلهم باستمرار لتجنب استهدافهم بضربات الطائرات المسيّرة المالية.
لكن الرسالة لم تقتصر على الجانب الإنساني. فقد أعلن رئيس جبهة تحرير أزواد FLA استعداده للدخول في مشاورات، تحت رعاية الرئيس الكونغولي، بهدف التوصل إلى «حل سريع وكريم وسلمي لقصية الأسرى ». وهذا يعني عملياً استعداد الحركة لفتح قناة تفاوض غير مباشرة مع باماكو، رغم أن المجلس العسكري يرفض رسمياً الاعتراف بها طرفاً يمكن التفاوض معه.
إطلاق سراح 82 عسكرياً.. نجاح إنساني وسياسي للجبهة
أحد أبرز مؤشرات قدرة جيهة تحرير أزواد FLA على إدارة هذا الملف كان الإفراج عن 82 عسكرياً مالياً في 13 أغسطس، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تولت جزءاً من الترتيبات اللوجستية.
وفي 16 أغسطس، تم أيضاً إجلاء ستة أسرى ماليين جرحى من كيدال بواسطة مروحية تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل تسليمهم إلى السلطات.
ورغم أن باماكو أعلنت عودة جنودها، فإنها تجنبت الحديث عن أي مفاوضات أو وساطة سياسية. وهذه النقطة تحمل دلالة مهمة: فالمجلس العسكري يجد نفسه مضطراً إلى التعامل عملياً مع نتائج أفعال حركة يرفض رسمياً فتح حوار معها.
وبحسب تقرير Africa Intelligence لم تكن هذه المرة الأولى التي تنجح فيها جبهة تحرير أزواد FLA في استخدام قنوات إقليمية لتحقيق أهداف سياسية وإنسانية. فقد تمكنت الحركة كذلك من تأمين إطلاق سراح أحد كوادرها، إنكينان أغ الطاهر، الذي كان محتجزاً في النيجر منذ أبريل 2025.
دبلوماسية جبهة تحرير أزواد تضع باماكو أمام معادلة صعبة
بحسب التقرير، لم تقتصر تحركات جبهة تحرير أزواد FLA على برازافيل. فقد سبق لقادة الجبهة أن أرسلوا مبعوثين إلى أبيدجان ولومي وبرازافيل لعرض موقفهم والدفع باتجاه توسيع دائرة الاتصالات حول قضية أزواد.
كما برزت في هذا المسار دول أخرى، من بينها الجزائر وموريتانيا والنيجر وتوغو.
وهكذا، تحاول جبهة تحرير أزواد – حسب التقرير – بناء شبكة من القنوات السياسية والإقليمية، في حين تظل باماكو متمسكة برفض الحوار المباشر. والمفارقة أن هذا الرفض لا يمنع أطرافاً إقليمية من التواصل مع جبهة تحرير أزواد FLA، بل قد يدفعها إلى البحث عن وسطاء وقنوات بديلة.
ومن هذه الزاوية، تبدو باماكو في موقف دبلوماسي دفاعي: فهي ترفض الاعتراف بخصومها السياسيين والعسكريين، لكنها تجد نفسها أمام واقع إقليمي تتزايد فيه الاتصالات والوساطات حول القضية الأزوادية.
النصرة.. ضغط عسكري بالتوازي مع المسار السياسي
أما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فتتحرك وفق مسار مختلف، لكنها تستفيد من البيئة نفسها حسب التقرير.
فبينما تظهر جبهة تحرير أزواد FLA في الواجهة السياسية والإنسانية، تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الضغط العسكري على القوات المالية. ويشير تقرير Africa Intelligence إلى أن الجماعة استفادت من هذا التقسيم للأدوار، بحيث تتحرك جبهة تحرير أزواد FLA في المجال السياسي والإنساني، بينما تواصل هي العمل على سيناريوهات وعمليات عسكرية جديدة.
وهذا يضع المجلس العسكري أمام ضغط مزدوج: جبهة تحرير أزواد ترفع كلفة رفض الحوار سياسياً، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين ترفع الكلفة عسكرياً.
كما تمكنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وفق التقرير، من الحصول على إطلاق سراح عدد من عناصرها الذين كانوا محتجزين لدى السلطات النيجرية، ما يعكس وجود قنوات تفاوضية إقليمية تتجاوز بماكو.
موسكو والوسطاء الإقليميون.. تضييق هامش المناورة على باماكو
تزداد صعوبة موقف المجلس العسكري بالنظر إلى دخول عدد متزايد من الأطراف الإقليمية والدولية على خط الأزمة.
فالرئيس الكونغولي دنيس ساسو نغيسو كان قد ناقش مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال زيارته إلى موسكو في نهاية أبريل، إمكانية قيام برازافيل بدور في الملف المالي. وبعد ذلك، أرسل مبعوثين إلى لومي والجزائر لاستطلاع مواقف الأطراف المختلفة حسب التقرير.
وفي الوقت نفسه، ظهرت الجزائر وموريتانيا والنيجر وتوغو كقنوات اتصال محتملة، ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام الإقليمي بالبحث عن مخرج للأزمة.
وهذا التطور يضع باماكو أمام معادلة صعبة: فكلما طال رفضها للحوار، زادت أهمية الوسطاء والقنوات غير المباشرة، بينما تواصل جبهة تحرير أزواد بناء علاقات سياسية إقليمياً و دولياً.
ضعف عسكري ينعكس على الموقف السياسي
لا يمكن فصل التطورات الدبلوماسية عن الوضع العسكري. فالتقرير يشير إلى أن أجزاء مهمة من الأراضي لا تزال خارج سيطرة المجلس العسكري، في حين تعتمد القوات المالية بدرجة كبيرة على شركائها الروس من الفيلق الإفريقي.
وبالتالي، فإن استمرار الضغط العسكري من جانب جبهة تحرير أزواد FLA و جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM لا يمثل مشكلة أمنية فقط، بل ينعكس مباشرة على موقع باماكو التفاوضي.
فالطرف الذي يستطيع الاحتفاظ بالأسرى، وإدارة عمليات الإفراج عنهم عبر منظمة دولية، والتواصل مع عواصم إقليمية، وفرض نفسه على أجندة الوسطاء، يمتلك أدوات سياسية تتجاوز حجمه العسكري المباشر.
وفي المقابل، تجد السلطات المالية نفسها مطالبة بإثبات قدرتها على استعادة السيطرة الميدانية، في وقت لا تزال فيه أجزاء واسعة من البلاد تشهد نشاطاً مسلحاً، بينما يظل اعتمادها على الدعم الروسي عاملاً أساسياً في قدرتها العسكرية.
الإفراج عن العميل الفرنسي.. مثال آخر على الضغوط
وتزامن ملف الأسرى العسكريين مع تطور آخر يؤكد حجم الضغوط التي تواجهها باماكو، تمثل في العفو عن الفرنسي يان فيزيلييه، عنصر المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية، في 13 أغسطس، بعد أن حُكم عليه بالسجن 20 عاماً.
ورغم تقديم الإفراج عنه باعتباره نتيجة للوساطة المغربية، يشير التقرير إلى مساهمة جزائرية غير مباشرة أيضاً.
وتكشف هذه القضية، إلى جانب قضية الأسرى الماليين، أن المجلس العسكري أصبح يتعامل مع ملفات حساسة عبر وساطات خارجية متعددة، رغم خطابه القائم على السيادة ورفض التدخلات الخارجية.
باماكو أمام خيارين صعبين
في المحصلة، يرسم تقرير Africa Intelligence صورة لمجلس عسكري مالي يواجه تضييقاً متزايداً في هامش المناورة.
فعلى المستوى العسكري، يواجه جبهة تحرير أزواد FLA و جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM ويعتمد بشكل كبير على الدعم الروسي، بينما لا تزال أجزاء من الأراضي خارج سيطرته. وعلى المستوى الدبلوماسي، تتزايد القنوات الإقليمية التي تتحرك حول الأزمة، من الجزائر وموريتانيا إلى الكونغو وتوغو والنيجر، في وقت يستمر فيه الضغط من أجل إيجاد تسوية سياسية.
أما جبهة تحرير أزواد FLA، فيرى التقرير أنها استفادت من ملف الأسرى لإظهار قدرتها على التصرف كطرف سياسي وعسكري قادر على التفاوض وإدارة الملفات الإنسانية. وفي المقابل، تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM الضغط عسكرياً، مستفيداً من استمرار هشاشة الوضع الأمني.
وبذلك، يجد المجلس العسكري نفسه أمام خيارين صعبين: إما الاستمرار في رفض الحوار، مع تحمل كلفة عسكرية ودبلوماسية متزايدة، أو القبول تدريجياً بقنوات تفاوض غير مباشرة تفرضها الوساطات الإقليمية والواقع الميداني.
واللافت أن هذه التطورات تجري في وقت تحاول فيه جبهة تحرير أزواد FLA و جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM تحويل المكاسب الميدانية إلى أوراق سياسية، بينما تحاول باماكو منع خصومها من التحول إلى أطراف معترف بها في أي تسوية مستقبلية. وهذه المعركة السياسية قد تكون، في المرحلة المقبلة، لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية على الأرض.
المصدر: Africa Intelligence
