كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير جديد صدر في 2 أبريل 2026 عن تصاعد خطير في الانتهاكات في بوركينا فاسو، مؤكدة أن القوات العسكرية الحاكمة والميليشيات المتحالفة معها، إضافة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، ارتكبت جرائم قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ عام 2023.
التقرير، الذي جاء في 316 صفحة بعنوان “لا أحد يستطيع الفرار”, وثّق مقتل أكثر من 1800 مدني، إلى جانب تهجير عشرات الآلاف، نتيجة عمليات عسكرية وهجمات متبادلة بين الجيش والميليشيات المحلية من جهة، وجماعة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من جهة أخرى. وأكدت المنظمة أن بعض هذه الانتهاكات اتخذت طابع “التطهير العرقي”، خصوصاً ضد المدنيين من قومية الفولاني.
اتهامات مباشرة للسلطات العسكرية
أشار التقرير إلى أن المجلس العسكري بقيادة الرئيس الانتقالي إبراهيم تراوري نفّذ حملات قمع واسعة ضد المعارضة السياسية والإعلام المستقل، ما ساهم في تقييد تدفق المعلومات حول الانتهاكات الجارية. كما اعتبرت المنظمة أن القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها استهدفت قرى بأكملها بدعوى دعم الجماعات المسلحة.
ومن أخطر الحوادث التي وثقها التقرير، مقتل أكثر من 400 مدني في ديسمبر 2023 في نحو 16 قرية قرب مدينة جيبو خلال عملية عسكرية مشتركة. وأفاد شهود عيان بأن المهاجمين أطلقوا النار بشكل عشوائي، وأكدت إحدى النساء أن ابنتيها قُتلتا في المكان، فيما أصيب طفلها الرضيع بجروح خطيرة.
استهداف الفولاني وتطهير عرقي
أبرز التقرير أن المجتمعات الفولانية تعرضت لهجمات ممنهجة بسبب اتهامها بدعم الجماعات المسلحة. وفي إحدى الحوادث، قتلت ميليشيات موالية للحكومة 13 مدنياً من الفولاني، بينهم نساء وأطفال، حيث عُثر على الجثث مكبّلة الأيدي ومصابة بالرصاص.
انتهاكات الجماعات المسلحة
في المقابل، اتهم التقرير جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بارتكاب هجمات واسعة ضد المدنيين أيضاً. ففي أغسطس 2024، قتلت الجماعة ما لا يقل عن 133 مدنياً في بلدة بارسالوغو، بينهم عشرات الأطفال، بعد اتهام السكان بدعم القوات الحكومية. كما فرضت الجماعة حصاراً على مدن وقرى عديدة، ومنعت حركة البضائع، وزرعت عبوات ناسفة، ودمرت بنى تحتية حيوية مثل الجسور ومصادر المياه.
وأشار التقرير إلى أن زعيم الجماعة إياد أغ غالي وعدداً من قادتها قد يتحملون مسؤولية مباشرة عن هذه الانتهاكات، داعياً إلى التحقيق معهم.
إفلات شبه كامل من العقاب
أكدت هيومن رايتس ووتش أن جميع الأطراف المتحاربة تتمتع تقريباً بإفلات كامل من العقاب، وأن الضحايا لا يثقون في النظام القضائي المحلي. كما اتهمت السلطات بإنكار أو التقليل من حجم الانتهاكات، خاصة تلك المنسوبة إلى الجيش والميليشيات المتحالفة معه.
دعوات لتحقيق دولي
دعت المنظمة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى الضغط على السلطات في بوركينا فاسو من أجل وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. كما طالبت مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق أولي في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة منذ سبتمبر 2022.
وختم التقرير بالتأكيد أن الأزمة في بوركينا فاسو لا تحظى بالاهتمام الدولي الكافي، رغم حجم الفظائع المرتكبة، مشدداً على أن الاعتراف بحجم المأساة يمثل خطوة أساسية نحو إنهاء العنف وتحقيق العدالة للضحايا.
